Monday, December 14, 2015

مبادئ الاستراتيجيه العسكرية الاسلامية(1)(التصميم على الهدف والحفاظ عليه)



مبادئ الاستراتيجيه العسكرية الاسلامية (1) (التصميم على الهدف والحفاظ عليه):

يخطئ الكثيرون عندما يقولون أن الإسلام لا علاقة له إلا بالعبادة والمسجد.
ويتكنف العديد الصواب لما ينشرون أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة أو الحكم او المجال العسكري أو الاقتصادي.
هؤلاء إما أنهم جهلة لم يطلعوا على الاسلام من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو الشريعة الإسلامية أو التاريخ الإسلامي بشقيه السيرة النبوية والصحابة وما بعدهم.
أو أنهم يعلمون ذلك ويكابرون على الحقيقة ويريدون تغطيتها وإخفاءها.
إن الحقيقة ظاهرة بادبة لكل دارس ومطلع ومنصف، ولا ينكرها إلا متعصب متطرف حقود على الإسلام وعلى نبيه وعلى أهله، وهذا بدأ من علماء الغرب ثم امتد لتلاميذهم من المسلمين الذين انبهروا بما لا قيمة له، ودافعوا عن أقوال ونظريات باهتة تافهة.
و الاستراتيجيه العسكرية الاسلامية خير مثال على شمول الإسلام لكل مناحي الحياة ومختلف أشكال التعامل الاقتصادي والمالي والسياسي والحكومي والإداري والعسكري وغيرها، ولا يقتصر فقط على أداء العبادة.
وفي هذا الموضوع سنتكلم عن مبادئ الاستراتيجيه العسكرية الاسلامية تباعا في حلقات، لنرد على المتشككين والمنبهرين بنظريات أعداء الإسلام والمتمسكين بنواجذهم بأقوال الغرب المعادي للإسلام، ذلك الغرب الذي يدعي أمورا هو كاذب فيها.

فمن مبادئ الاستراتيجيه العسكرية الاسلامية:

1- التصميم على الهدف والحفاظ عليه:
إن الاستراتيجية فن حديث النشأة أكاديميا ولكنه كأسلوب تفكير وتدبير وتصرف فإنها فن قديم من الناحية التطبيقية والعملية ، حيث مارسته كل الأمم والشعوب التي كان لها هدف ورسالة وغاية تطمح إلى تحقيقها.
 وأما القيادات العسكرية  والسياسية  تحديدا - فقد أدركت أهميه وقيمه وفحوى الاستراتيجية وعرفت معناها وبنت مخططاتها وقراراتها وسلوكياتها وتصرفاتها وفق أسس وخطط استراتيجيه مدروسة ومحكمه ومتقنه غاية الإتقان.

 وفي الإسلام فإن التخطيط  الاستراتيجي كان له الدور الأكبر والحاسم في تحقيق الأهداف والغايات التي جاء من اجلها الإسلام.

 فالخطط المحكمة التي وضعها قادة الإسلام- ابتدءا من الرسول القائد – هي كلها كانت أساليب تطبيقيه تدل على عمق التفكير وبعد النظر الاستراتيجي لهؤلاء القادة الأميين الذين فهموا ألاستراتيجيه بالفطرة والسليقة. 

انطلقت ألاستراتيجيه الاسلامية من ثوابت العقيدة العسكرية الإسلامية والتي كان أهمها القرآن والسنة ، فهما الموجهان المرشدان لمنفذي هذه الاستراتيجية والتي هي عبارة عن الأساليب والوسائل الموصلة إلى الهدف.

 وبما أنها كذلك فقد اتسمت بالثبات والاستقرار والاتزان .
وان ما يميز مبادئ استراتيجيه العسكرية الاسلامية ويزيدها ثباتا ، هو اعتراف القادة والخبراء العسكريين الحديثين والمعاصرين بها  كمبادئ عسكريه حضارية متطورة ،اتخذت كمناهج تدرس في المدارس العسكرية  المعاصرة .
   لذا فقد كانت مبادئ الاستراتيجية الاسلاميه هي (مدرسة ) بحق وإضافة نوعية إلى العلوم والفنون العسكرية تنتهجها المدارس العسكرية وتطبقها القوات على مدار الزمن لتبقى خالدة خلود الإسلام وتبقى ما بقي هذا الدين.
ومن هذه المبادئ ما يلي:

1. التصميم على الهدف والحفاظ عليه:
لقد أوضحنا عند حديثنا عن العقيدة العسكرية الاسلامية أن الهدف من هذه العقيدة هو نشر الدين وحماية الدعوة ورد الظالمين ، وليس الاعتداء على الآخرين أو ترويعهم .
 لذا فقد جعل المسلمون هذا الهدف نصب أعينهم أينما ذهبوا وحيثما حلوا ، مما ساهم وبشكل كبير على الاندفاع والاستمرار في الفتوحات  رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها الأمة سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي.
 والقدوة في هذا المقام هو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي كان شديد التمسك بالهدف والغاية ، حيث استمر بنفس الاندفاع والحماس نحو تحقيق هدفه وغايته وهو نشر الدعوة وإبلاغها للناس، رغم الأذى والعذاب النفسي والبدني الذي تعرض له هو وأصحابه خلال مسيرة دعوتهم في مكة والطائف ، والصدود الذي لاقاه حتى من أقرب الناس إليه وهم قبيلته وعشيرته الاقربين .

وتابع الصحابة حفاظهم وحماسهم نحو الأهداف والغايات النبيلة .
فها هو أبو بكر الصديق يمضي بقتال أهل الردة الذين منعوا الزكاة وقال قولته المشهورة:(والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه ) .

واستمر الصحابة على ذات النهج ونفس الطريق وهو الحفاظ على الهدف والغاية .

وها هو خالد بن الوليد يؤنب أهل الحيرة ويقرعهم على اختيارهم للجزية فيقول لهم :(تبا لكم ،  إن الكفر فلاة مضلة فأحمق العرب من سلكها )،وذلك لأنه أراد لهم الإسلام ولم يرد لهم الجزية ،ولم يرغمهم على الإسلام.
 واستمر جيش الإسلام يمضي نحو أهدافه وغاياته حتى اكتمل الفتح الإسلامي وخضع معظم العالم المعروف آنذاك إلى الإسلام وانضم تحت لوائه؛ فمن الشام إلى العرق ثم إلى المغرب والأندلس ومن ثم إلى أوروبا وبلاط الشهداء ، وإلى أقصى الشرق حيث الصين وتخومها .

نعم رغم كل الظروف إلا أن المحافظة على الهدف كانت أعظم مبادئ الاستراتيجية الاسلامية الناجحة المظفرة .

المصادر والمراجع:
-عبد الرحمن محمد العيسوي، علم النفس العسكري ، دار الراتب الجامعيه ،بيروت ،1999.
-ماهر محمد صالح حسن ، القيادة ، أساسيات ونظريات ومفاهيم ، دار الكندي ، اربد ، الأردن ،2004.
-احمد عبد ربه بصبوص ، فن القيادة في الإسلام ، مكتبة المنار،  الزرقاء الأردن ، 1989.
-محمد جمال الدين محفوظ ، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية ألعسكريه الإسلامية ، الدار ألمصريه للكتاب ، القاهرة ، 1976.

Sunday, November 29, 2015

ظواهر ومظاهر تأثير ترجمة علوم العرب والمسلمين إلى لغات أوروبا في النهضة الاوربية وحضارتها

ظواهر ومظاهر تأثير ترجمة علوم العرب والمسلمين إلى لغات أوروبا في النهضة الاوربية وحضارتها:
لا يغرنك تقلب الذين يدعون العلم والمعرفة في أقوالهم ومصنافاتهم ومؤلفاتهم على أن الحضارة الإسلامية لم تفد الغرب لا نهضتها ولا حضارتها.
فهؤلاء قوم أُتْخِموا بالحقد حتى أصبحوا لا يرون إلا الظلام، وأُشْبِعُوا بالبغضاء حتى أضحوا لا يرون سوى السواد، ومالوا عن الحق فأصبح في مؤلفاتهم عوجا ظاهرا، واختلافا كثيرا كبيرا.
وطالب الحق لا يهمه سياسات بلاده ولا نزوات قادته ولا حقد علمائه، فالحق أحق أن يقال وأن ينشر وأن يُتَّبَع.
وما عانته أوروبا في عهود ظلمتها بقي راسخا في الذاكرة الجمعية لديهم وفي أعماقهم وبواطنهم، فهم إلى الآن يشعرون بالسوء والمذلة؛ لأنهم استفادوا من حضارة العرب والمسلمين في نهضتهم وابداعاتهم وابتكاراتهم في شتى مناحي حياتهم وكافة علومهم، وإلى الآن يصيبهم النغص والتمعض والمضض جراء هذا الأمر، فيسعون للنكران والانكار واللعب بالكلمات والمشاعر والعواطف فلا يعترفون بفضل الحضارة الاسلامية والعربية.
بينما الحقيقة عكس ذلك، والصواب خلاف ما يقولون، وقد اعترف قلة منهم من المنصفين بفضل الحضارة العربية والاسلامية على أوروبا ونهضتها، يوم كانت أوروبا تعيش في عصورها الوسطى المظلمة السوداوية القاحلة، كان المسلمون والعرب في أبهى عصورهم من النور والمعرفة والعلم والابداع والاختراع والتقدم والحضارة.
وما نراه في أوروبا من حضارة وتقدم هو كقشرة البيضة المتعفنة الظاهرة البياض، فإن أحدثت فيها ثقبا رأيت داخلها العفن وعصور الظلمة والعصور الوسطى قابعة فيهم متمكنة منهم.
كان لا بد من هذا التمهيد لبيان سبب نكران الكثرة الطاغية الباغية المتعجرفة المتكبرة فضل الحضارة الإسلامية، ومنبع هذه النكران هو: عدائهم للدين الإسلامي أولا وثانيا وثالثا ومليونا ومليارا، والسبب الثاني: شعورهم بالنقص وعقدتها برغم ما وصلوا إليه من تقدم وحضارة، والسبب الثالث: تمكن أخلاق وصفات العصور الوسطى المظلمة منهم في بواطنهم وخفاياهم، وتظهر للعلن كلما شعروا بضر صغير أو أبصروا انتشارا للإسلام في ديارهم أو وجدوا تكاثر المسلمين في بلدانهم.
وغير ذلك من الأسباب التي تدعوهم لنكران فضل الحضارة العربية الإسلامية عليهم وعلى حضارتهم وما وصلوا إليه.
وكيف حصل لهم هذا التقدم وكيف أثر في نهضتهم.
من أهم الاسباب هو الترجمة، ترجمة علوم العرب والمسلمين ومؤلفاتهم العلمية والفلسفية إلى لغات أوروبا المختلفة.
وهذا ما سنوضحه في هذا الموضوع.
ظواهر ومظاهر تأثير ترجمة علوم العرب والمسلمين إلى لغات أوروبا في النهضة الاوربية وحضارتها:
1- حركة الترجمة ومراحلها:
إن حركة الترجمة ، والتي تعد قناة غير مباشرة ، ولكنها أثرت تأثيراً كبيراً في نقل أوربا من عصر الظلام والتخلف إلى عصر الانبعاث والتقدم.
مرت حركة الترجمة بدورين :
 الدور الأول : والتي تمت فيه ترجمة الكثير من المخطوطات إلى العربية بما في ذلك كتاب في علم الزراعة ،  كتبه (كولوميلا) وكتاب تاريخ عام ألفه (اوروسيوس) ، وكتاب يبحث في التنجيم ، وآخر في الاشتقاق لمؤلفه (ايزدور) .
 وقد وقع على عاتق النصارى أحيانا القيام ببعض هذه الترجمات .
كما وتم ترجمة عدد كبير من المؤلفات إلى العربية لفائدة العناصر المستعربة من النصارى ، وليس للمسلمين فقط ، فقد تمت ترجمة ثلاث نسخ من المزامير ، من بينها واحدة ترجمها حفص القوطي في سنة 276 هـ / 889 مـ شعراً .
 وكان المقصود بها خصيصاً ان تحل محل نسخة نثرية غير فصيحة كانت دارجة الاستعمال في ذلك الوقت ، وكذلك تمت في سنة 357هـ/ 967 مـ ترجمة تقويم كنسي ألحق بأخر عربي يبحث في تقسيم السنة على أساس الثماني والعشرين دورة فلكية المعروفة باسم (منازل القمر) ، وأطلق على الترجمة اسم (تقويم قرطبة).
أما الدور الثاني ، فيشمل الترجمة من العربية إلى اللاتينية ، ويبدأ من منتصف القرن الخامس إلى أخر القرن السابع الهجري / منتصف القرن الحادي عشر إلى أخر القرن الثالث عشر الميلادي ، وقد مر هذا الدور بمرحلتين:
 الأولى: تمت فيها ترجمة العلوم العربية المنقولة عن العلوم اليونانية .
 والمرحلة الثانية: ترجمة العلوم العربية الإسلامية.
كانت أوربا لا تمتلك من العلم اليوناني إلا القليل تمثل بمختصرات هزيلة وضعت منذ القرن الخامس الميلادي والى القرن الثامن الميلادي.
 لذا بقيت الدراسة في أوربا ضئيلة محصورة في فئة قليلة من الرهبان ، ولم تنتعش وتتطور إلا بعد تمثلها للعلوم العربية ولاسيما التي تشمل على أصول علوم اليونان التي ترجمها العرب المسلمين في عصر ازدهار حضارتهم.
2- حركة ترجمة نشيطة لألاف من المجلدات العربية الإسلامية:
بعد ان استرد الأسبان بقيادة الفرنسو السادس طليطلة عام 478هـ/ 1085 م ، واتخاذها كعاصمة لمملكة قشتالة ، قامت فيها حركة ترجمة نشيطة فقد امتازت هذه المدينة بكثرة مكتباتها ، والتي حوت ألاف من المجلدات التي انتقلت إليها من المشرق ، فضلاً عن ذلك بقاء الثقافة العربية فيها حتى بعد ان استردها الأسبان.
 وقد تم القيام بتخطيط برنامج شامل للترجمة عن طريق تأسيس معهد لترجمة الأعمال العربية إلى اللاتينية ، ويرأسه كبير الشمامسة في طليطلة المدعو (دومينيكوس غونديسينوس) والذي يذكر بالمصادر العربية بـ(دومنجو غنصالفة) والذي برز نشاطه ما بين عام 1130والى عام 1180 م ، والذي يعد من أشهر رجال الترجمة في العصر الوسيط من العربية إلى اللاتينية عن طريق الاسبانية العامية.
فقد كانت الطريقة في الترجمة ان يقوم يهودي مستعرب – من اشهرهم في معهد الترجمة بطليطلة أبراهام بن غزرا – بترجمة النص العربي شفوياً إلى اللغة الاسبانية العامية ثم يتولى غنصالفه الترجمة اللاتينية ، ومن بين ما ترجمه غنصالفة على هذا النحو بعض مؤلفات الفارابي ، وابن سينا ، والغزالي.
3- مشاركة عدد كثير من المترجمين من مؤلفات العرب والمسلمين إلى لغات أوروبا:
وكان يعمل بمعية غنصالفة عدد من المترجمين توجهوا من أنحاء أوربا إلى طليطلة منهم الايطالي (جيرار الكريموني) الذي وصف بأنه ((الشماس)) في إحدى وثائق كادرائية طليطلة المؤرخة في 11 آذار مارس 1162 م ، حيث يدعى (جيرادوس المعلم) في وثيقتين أخريين من وثائق الكاتدرائية بتاريخ آذار/ مارس 1174 م ، وآذار/ مارس 1176 م ، والوثائق الثلاثة ممهورة بتوقيع غنصالفة .
 وقد قام جيرارد بترجمة كتاب الفارابي (تصنيف العلوم) ، وترجم عدة مؤلفات لأرسطو ، وبعض الشروح على ارسطو لمؤلفين عرب ومؤلفين إغريق سبق وان ترجمت اعمالهم إلى العربية .
كما ترجم عن العربية كتباً لأبقراط وجالينوس .
وترجم كتابين اصيلين في العربية هما:
- (القانون في الطب لابن سينا).
- وكتب التصريف للزهراوي الذي يعد القسم الأخير منه أشهر بحث في الجراحة.
* واشترك (غنصالفة) مع رفيقه (افيندوف) ، و (جوهان الاسباني) بترجمة مصنفات الدارسين العرب الذين لخصوا ، واعادوا ترجمة فلسفة ارسطو ، كمؤلفات ابن سينا ، وابن جيبيرول ، والغزالي.
* وشاركه أيضا المترجمان الانكليزيان (روبرت القيطوني و ادلار الباثي) فقد اشتهر ادلار الباثي بترجمة جداول علم الفلك لمسلمة المجريطي عام 1126 م.
4- استمرار نشاط حركة الترجمة في أوروبا لمؤلفات علماء العرب والمسلمين،جهود شخصية وترجمة رسمية:
استمر نشاط حركة الترجمة في طليطلة في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي ، وهناك دليلان على هذا النشاط .
الدليل الأول : نقل حصيلة ذلك الازدهار في الفلسفة فـي اسبانيـا الإسلاميـة ففي عهد سيطرة الموحدين على المغـرب و الأنـدلس ( 543 – 668هـ / 1146- 1269م ) حدثت ثورة أصولية ارسطوية لم يسبق لها مثيل في أي مكان أخر من العالم العربي الإسلامي.
وكانت الشخصية الرئيسية في هذا المشهد ابن طفيل (ت: 581 هـ / 1185 م ) الطبيب الرسمي في بلاط زعيم الموحدين في قرطبة ، ومؤلف الرواية الفلسفية (حي بن يقظان).
 وقيام البطروجي بتأليف كتاب سماه باسم (حركات الاجرام السماوية) المكتوب حوالي (600هـ / 1200 م ) .
والكتاب محاولة ثورية في علم الفلك تدعو إلى استبعاد نظام بطليموس القديم حتى يحل محله أنموذج يتفق مع (فيزيقيا) ارسطو.
ثم قيام ابن رشد (ت : 594 هـ / 1198 م ) عقب ذلك بالمشروع الأكثر طموحا وهو يضع ثلاثة مستويات من الشروح والتعليقات على جميع مصنفات ارسطو ، وأضاف إليها فيما بعد تعليق على جمهورية افلاطون .
ومع ان الارسطوطاليسية الأندلسية لم تترك إلا أثراً في الدراسات العربية الإسلامية اللاحقة، إلا إنها تركت أثرا قليلا في الفلسفة اللاتينية والعبرية والعلوم الأخرى.
 وفي هذا المناخ الثقافي في قرطبة ، تشكلت فلسفة ابن ميمون (ت: 600هت/1204م).
 وبعد سنوات معدودات على تأليف مصنفات كل من البطروجي ، وابن رشد تمت ترجمتها إلى اللاتينية والعبرية.
حيث قام بالترجمات الأولى في اسبانيا (مايكل سكوت) واليه تعزى أقدم ترجمة لابن رشد،والتي بدأها في اسبانيا ثم استكملها حين انتقل إلى ايطاليا.
والدليل الثاني: نشأة الترجمة الرسمية والمقصود بها القيام بالترجمة بصفتها جزءاً من السياسة العامة للدولة،
 اما بهدف تفخيم الامة الاسبانية الحديثة الظهور،
او بهدف رد المسلمين الاسبان الى النصرانية  وربط الكنائس الشرقية بروما بعد توحيدها، ولتحقيق ذلك، كان لا بد من تعلم العربية،
فقد أطلع بطرس الجليل (رئيس دير كلوني) اثناء زيارته الى اسبانيا في مهمة دينية عام 1141م على بدايات الصراع المرير بين الإسلام والنصرانية في الاندلس، وكان ذلك اثناء حكم الموحدين وتوصل الى ان القوة المسلحة لوحدها لا تجدي نفعاً في محاربة الإسلام، وانما ينبغي اللجوء الى المنطق،
وذلك بفهم الخصم اولاً، والاصغاء الى حججه وجدله ثانياً،
وبما ان القرآن الكريم هو المرجع الاول لدى المسلمين، فقد تعين على الاوروبيين فهمه ولتحقيق هذه الغاية قام بطرس الجليل بتكليف (روبرت القطيوني) بترجمة القرآن الى اللاتينية وأجزل له العطاء، وقد لقيت ترجمته رواجاً واسعاً.
هذا فضلاً عن قيام بطرس بشراء كل المخطوطات المترجمة من قبل هرمان الكارنثي، وروبرت القطيوني وبيتر الطليطلي، والتي تعرف بـ(مجموعة طليطلة) والتي هي عبارة عن ترجمات لمخطوطات عربية عن الإسلام، كما ضمت القرآن الكريم وحياة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، ووصفاً للخلفاء الأولين، ومناظرة بين رجل نصراني ومسلم تعرف بـ(مناظرة الكندي)، وقد بقيت هذه الترجمات مرجعاً ثميناً للغربيين الذين يودون فهم الإسلام،
ففي القرن السابع عشر الميلادي كانت لا تزال ترجمة روبرت القطيوني للقرآن الكريم مستعملة لدى البعثات التبشيرية النصرانية، كما غدا رد الكندي في المناظرة المشهورة شائعاً في العصر الحديث.
وبعد مرور خمس سنوات على هزيمة الموحدين في معركة العقاب عام 609هـ\1212م، والتي تعد بداية النهاية لسلطة الموحدين في الاندلس توالى سقوط حواضر الاندلس الواحدة تلو الاخرى كقرطبة واشبيلية ولم يبق سوى غرناطة مملكة إسلامية وحيدة، إنتاب شعوراً عظيماً بالثقة لأساقفة وملوك الاسبان لجعل شبه جزيرة كاملة في اسبانيتها ونصرانيتها،
فانتشرت حركة الترجمة من العربية الى الاسبانية ولا سيما في عهد الملك الفونسو العاشر الحكيم، ملك ليون وقشتالة (1252-1284م)، فترجمت كتب كليلة ودمنة، وعشرات من كتب الفلك ولم تكن لغة الترجمات هي الاسبانية فحسب، بل لقد جعلها تبدو وكأن المؤلفين انفسهم كانوا من الاسبان ايضاً
فقد سمي كتاب "غاية الحكيم" في التنجيم لمسلمة بن احمد المجريطي (ت:397هـ\1007م) مثلاً بـ"الحكيم الاسباني".
 وكان لهذا اثره في قيام اللغة الاسبانية اولاً، ومن ثم تقدم الدراسات العلمية في اسبانيا وانتقالها الى اوروبا ثانيا، وأنشأ الفونسو الحكيم عام 1254م جامعة اشبيلية وخصصها لدراسة العربية واللاتينية.
والله أعلم
المصادر:
- السامرائي، دراسات في تاريخ الفكر، ص384-388، مارغريتا، اسهامات حضارية، الحضارة العربية في الاندلس:2/1478.
- تشارلز بيرنيت، حركة الترجمة من العربية، في القرون الوسطى في اسبانيا، ترجمة: عمران ابو حجلة، الحضارة العربية الاسلامية في الاندلس، تحرير: سلمى الخضراء الجيوسي (ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1999): 2/1442
- عبد الرحمن بدوي، دور العرب في تكوين الفكر الاوربي (بيروت: 1979)، ص7.
- جلال مظهر، حضارة الاسلام، ص523، دي سي ، اوليري، الفكر العربي ومركزه في التاريخ، ترجمة: اسماعيل البيطار (بيروت: 1972)، ص234.
- تشارلز بيرنيت، حركة الترجمة، الحضارة العربية: 2/1457.
- عبد الرحمن بدوي، دور العرب في تكوين الفكر الاوربي، ص، .10
- غوستاف لويون، حضارة العرب، ص677.
 - هونكة، شمس العرب تسطع على الغرب، ص126وما بعدها.
- حكمت نجيب، دراسات في تاريخ العلوم عند العرب (الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1977)، 148.

Saturday, November 28, 2015

ظواهر ومظاهر أثر وتأثير الحضارة العربيةالإسلامية بنهضةاوربا،ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا وبرتغال

ظواهر و مظاهر أثر و  تأثير الحضارة العربية الإسلامية بالنهضة الأوربية وحضارتها في ملوك وحكام وشعوب وعلماء ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا وايطاليا واسبانيا والبرتغال وبافاريا:
أن تنكر الحقائق وهي ظاهرة أمامك فهذا يدل على شدة تعصبك!
أن ترفض الحق وهو بادٍ أمام عينك فهذا يدل على أشد التعصب!
أن تخفي الصواب في ظلمات رفضك وترضى بالخطأ فهذا دال على أقصى التطرف!
أن تحذف الحضارة العربية الاسلامية من الوجود التاريخي وتنكر دورها الريادي بسبب البغض والحقد والكراهية الموجودة بداخلك فهذا منكرا من القول وزورا.
أن تمحي جهود علماء الحضارة العربية الاسلامية وتقفز إلى من قبلها، متجاهلا دورها في الابداع والابتكار وحمل لواء العلم والمعرفة والترجمة والتعليم والتدريس ونشر العلوم والمعارف، فهذا دال على ترهل فكر واضطراب ثقافة وعدم اتباع الحق.
هذا هو  حال الذين ينكرون  دور الحضارة الإسلامية وتأثيرها في أوروبا
وهذا هو واقع الذين يرفضون فكرة أن الإسلام له فضل كبير على أوروبا في حضارتها وتقدمها.
ولذلك نراهم يرجعون تقدمهم وحضارتهم إلى اليونان والرومان والإغريق فقط
والأدهى أن هناك من المنتسبين للإسلام والمحسوبين على العروبة ومدعي الوطنية والقومية ومدعي العلم والثقافة والفكر يؤيدون ذلك !
وهذا لهو أشد النكران وأقصى دركات العمى وأكثر عناد التطرف.
وإن الحضارة لها دور كبير في تأثيرها على الأوربيين بمختلف طبقاتهم وأنواع مشاربهم وشتى علومهم سواء كان في الفن أو الفلسفة أو الطب أو الفلك أو الهندسة أو التشريع أو الغناء أو الفيزياء والكيمياء أو الصناعة أو الزراعة وسائر أنوع العلوم.
ولست أدعي قولا بلا دليل، وألقي حكما بلابرهان، ومظاهر تأثير الحضارة الإسلامية بالنهضة الأوربية إلى حضارتها ظاهرة للعيان معروفة لكل مطلع ومنصف وباحث ودارس،ولكن قاتل الله التعصب كم يخفي من حقيقة، وقاتل الله التطرف كم يعلي من باطل، وقاتل الله التقليد كم يجر ويلات على البلاد.
وهذه بعض مظاهر وظواهر تأثير الحضارة العربية الإسلامية بالنهضة الأوربية، فأن أنكرها منكر ولم يقبلها متعصب فلا أدري ماذا نصفه !!!
وسأعرض بعض هذه المظاهر والظواهر من جانب الأندلس في هذا الموضوع، وإن كان بقية من العمر، نعرض مظاهر أخرى من جانب : صقلية وجنوب إيطاليا،و من جانب بلاد الشام ومصر.

بعض مظاهر تأثير الحضارة العربية الإسلامية بالنهضة الأوربية:
1- عُدَّتِ الأندلس أهم احد المعابر الثلاثة التي تمت خلالها عملية الإخصاب بين الفكر العربي الإسلامي والفكر الأوربي ، المعبر الأول صقلية وجنوب ايطاليا ، والمعبر الثاني مصر وبلاد الشام ، والمعبر الثالث الأندلس ، فهي نقطة التلاقي بين الثقافة العربية الإسلامية الزاهرة وبين العقلية الأوربية الناشئة ، لأنها تقع على الحدود بين بلاد الإسلام وبلاد أوربا.
وشيئاً فشيئاً ومن خلال الاحتكاك والتعايش بين مختلف شرائح المجتمع الأندلسي، طيلة حكم ثمانية قرون ، وفرّ للأسبان وغيرهم سبل الأخذ عن المسلمين ، بشكل مباشر وغير مباشر، وتحقق من بلاد الأندلس تواصل حضاري بين العالمين المتصارعين ، ذلك التواصل الذي شمل أوربا برمتها.

2- توافد الطلاب من أوروبا على مراكز الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس :
 فقد حمل العرب المسلمون طيلة فترة مكوثهم في اسبانيا مشعل العلم والحضارة ، واعتمدت جميع مراكز التعليم في أوربا على قرطبة واشبيلية وطليطلة وغرناطة ..
حيث كان الطلاب يشدون الرحال إليها ويقضون السنوات الطوال في الدراسة والتتبع ، والاطلاع على مؤلفات العرب فيها ، وكان في مقدمة هؤلاء الراهب الفرنسي (جربرت دي اورياك) الذي وفد إلى الأندلس في عصر الخليفة الحكم المستنصر (350-366 هـ / 961 – 976مـ) ، ودرس على أيدي العلماء المسلمين الرياضيات والفلك والكيمياء ، وحينما عاد إلى وطنه بعد ان بلغ من العلم مبلغا خيّل لعامة فرنسا إذ ذاك انه ساحر.
فقد كان من أوائل المهتمين بالثقافة العربية ، والمضمون التجريبي للعلم ، وقد تمكن فيما بعد بفضل مواهبه العقلية ان يتربع عرش البابوية في روما تحت اسم سيلفستر الثاني (390 – 394 هـ / 999 – 1003 مـ) وكان له الدور البارز في نشر علوم العرب في أوربا وهو أول من ادخل التعليم الدنيوي ودافع عنه على أسس تقدمية.

3- وجود كتب عربية في وقت مبكر في أوروبا، ومنها:
وجدت نسخة لاتينية من حِكَم ابقراط كانت تستخدم في التدريس في مدينة شارتر بفرنسا عام 382 هـ / 991 مـ ،فسرت هذه الظاهرة بوجود نفوذ عربي مبكر في فرنسا ، لان هذه النسخة كانت عن أصل عربي ، ذلك لان الغرب اللاتيني كان يجهل في هذا العصر جهلاً تاماً أي شيء من الأصول اليونانية لأعمال اليونان القدماء.

4- استفادة المقتدرين من ترجمات الكتب العربية إلى لغات أوروبا آنذاك ودراستها:
استنتج من قبل بعض المؤرخين المحدثين افتراضا من ظروف هرمان الكسيح (1013-1054مـ) وهو ابن أمير دالماسيا من أصل سويسري ، وقد كتب في الرياضيات والتنجيم عن تأثير الحضارة العربية الأندلسية ، فهذا الأمير لظروفه المرضية لم يزر الأندلس ، إلا انه استفاد من ترجمات لأعمال عربية كالتي وجدت في شارتر أو التي عملت لجربرت ، واستفاد ثانياً من الطلاب الأوربيين العائدين من الأندلس إلى أوطانهم ، بعد ان انهوا دراستهم في الجامعات العربية ، والذين كانوا يمرون بدير(ريختاو) الذي يقيم به هرمان ويقضون فيه فترة قبل رجوعهم إلى بلادهم ، وعن هؤلاء نقل هرمان كل ما جلبوه من الآلات الفلكية العربية وفي مقدمتها الإسطرلاب.

5- البعثات الأوربية الشخصية والرسمية التي توافدت إلى مراكز الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس :
أرسلت إلى الأندلس بعثات ذات طابع رسمي من قبل حكومات بعض الدول الأوربية ، وأخذت هذه البعثات تتوالى على الأندلس بأعداد متزايدة سنة بعد أخرى ، حتى بلغت سنة 312 هـ / 924 مـ ، في عهد الخليفة الناصر زهاء سبعمائة طالب وطالبة.

بعثة من ألمانيا للتعلم في بلاد المسلمين:
وكانت إحدى هذه البعثات من ألمانيا ، ففي سنة 313 هـ / 925 مـ أرسل ملك ألمانيا اوتو الكبير ، الراهب (جون) إلى قرطبة مبعوثاً إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر وأثناء مكوثه فيها لمدة ثلاث سنوات تعلم العلوم والثقافة العربية ، وحمل معه المخطوطات العلمية العربية.

بعثة من فرنسا للتعلم في بلاد المسلمين:
وتوجهت بعثه من فرنسا برئاسة الأميرة (إليزابيث) ابنة خال الملك لويس السادس ملك فرنسا.

بعثة من ملك بافاريا 215 طالبا وطالبة للتعلم في بلاد المسلمين:
وبعث فيليب ملك بافاريا إلى الخليفة هشام المؤيد (366 – 399 هـ /976-1009 مـ) بكتاب يطلب منه ان يأذن له بإرسال بعثة من بلاده إلى الأندلس للاطلاع على مظاهر التقدم الحضاري فيها والاستفادة منها ، فوافق الخليفة هشام ، وجاءت بعثة هذه الملك برئاسة وزيره المدعو (ويلميين) الذي يسميه العرب وليم الأمين.

وقد تألفت هذه البعثة من (215) طالباً وطالبة وزعوا على جميع معاهد الأندلس لينهلوا من مواردها الثقافية ، وتذكر الروايات بان ثمانية من أفراد هذه البعثة اعتنقوا الدين الإسلامي ومكثوا في الأندلس ورفضوا العودة إلى بلادهم ، ومن ضمن هؤلاء الثمانية ثلاث فتيات تزوجن بمشاهير من رجال الأندلس في ذلك الوقت ، وأنجبن عدداً من العلماء كان منهم عباس بن مرداس الفلكي.

بعثة من ملك(ويلز) للتعلم في بلاد المسلمين:
أوفد ملك ويلز بعثة برئاسة ابنة اخيه كانت تضم ثمانية عشرة فتاة من بنات الأشراف والأعيان ، وقد وصلت هذه البعثة مدينة اشبيلية برفقة النبيل (سفيلك) رئيس موظفي القصرفي ويلز الذي حمل رسالة من ملكه إلى الخليفة هشام المعتد بالله ،وكان هدف هذه البعثة كما تقول الرسالة: ((فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا ولأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أربعة أركان ...)).
وقد استقبل خليفة الأندلس البعثة أحسن استقبال ، ورد على رسالة ملك ويلز ، وقد حظيت هذه البعثة باهتمام رجال الدولة الذين قرروا ان يتم الإنفاق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين.

6- استقدام ملوك أوربا لعلماء مسلمين لبلادهم لتأسيس مدارس ونشر العلم:
قام بعض ملوك أوربا باستقدام علماء الأندلس لتأسيس المدارس ونشر ألوية العلم والعمران ، ففي خلال القرن الثالث الهجري ، التاسع الميلادي وما بعده وّقعت حكومات هولندة وسكسونيا وانكلترا على عقود مع حوالي تسعين من الأساتذة العرب في الأندلس بمختلف العلوم ، وقد اختير هؤلاء من بين أشهر العلماء الذين كانوا يحسنون اللغتين الاسبانية واللاتينية إلى جانب اللغة العربية.
ووقعت تلك الحكومات عقوداً أخرى مع حوالي مائتي خبير عربي في مختلف الصناعات ولاسيما إنشاء السفن ، وصناعة النسيج والزجاج والبناء وفنون الزراعة .

ولقد قام بعض المهندسين العرب اكبر جسر على نهر التايمس  في انكلترا عرف باسم (جسر هليشم Helichem) وهذه الكلمة تحريف لكلمة هشام خليفة الأندلس الذي أطلق الانكليز اسمه على هذا الجسر عرفاناً بفضله لأنه أرسل إليهم أولئك المهندسين العرب.

وكذلك كان المهندسون العرب هم الذين شيدوا قباب الكنائس في بافاريا ، ولا تزال توجد  بإحدى المدن الألمانية (شتوتغارت) حتى اليوم سقاية ماء تدعى (أميديو Amedeo) وهو تحريف لكلمة احمد المهندس العربي الذي بناها.

7- وجود أعداد كبيرة من مؤلفات المسلمين العلمية في الأديرة والمكتبات:
ولاسيما دير سانتا ماريا دي ريبول الذي اقتنى بين القرنين السادس والسابع الهجري / الثاني عشر والثالث عشر الميلادي أعداداً كبيرة من المؤلفات العلمية العربية ، لترجمتها من قبل رهبان الدير الذي انحدر العديد منهم من أصل مستعرب.
8- المستعربون الذين كانوا يمثلون عنصراً فعالاً في الحياة الأندلسية ، في نقل الحضارة الإسلامية إلى اسبانيا وأوربا:
المستعربون الذين كانوا يمثلون عنصراً فعالاً في الحياة الأندلسية ، في نقل الحضارة العربية إلى اسبانيا النصرانية .
 والعصور الوسطى الاسبانية لم تكن تعرف الانفصال الجغرافي ولا العنصري بين المسلمين والنصارى حيث كانوا متعايشين سوية بروح التسامح، والمستعربون بحكم معرفتهم للغتين العربية واللاتينية الحديثة كانوا أداة اتصال بين شطري اسبانيا ، وهم منذ الفتح العربي الإسلامي لم ينقطعوا عن الهجرة إلى المناطق الشمالية في اسبانيا حيث إخوانهم النصارى ، وقد ازدادت هجرتهم في القرن السادس والسابع الهجري / الثاني عشر والثالث عشر الميلادي على عهد دولتي المرابطين والموحدين :
 فقد هاجر سكان بلنسية منها إلى قشتالة في عام (  496 هـ / 1102مـ) .
 وخرجت طائفة كبيرة من غرناطة مع جيش الفونسو الأول المحارب ملك ارغونة عام    519 هـ /1125مـ
وكما خرجت طائفة أخرى من اشبيلية إلى قشتالة عام   541  هـ / 1146مـ
وقد كان شأن هذه الهجرات وأمثالها انتشار الثقافة الإسلامية العربية بين نصارى الشمال الاسباني.

9- التجار والعلاقات التجارية المتواصلة:
فالتجار المسلمين الذين ظلوا قروناً يتاجرون مع الكثير من البلدان الأوربية ، ولقد دلت التنقيبات أخيراً على وجود عملات إسلامية في أوروبا الشمالية حتى فلندا.

10- الرحالة المسلمون:
لا ننسى الرحالة المسلمون الذين طافوا في مختلف أنحاء العالم ومنها أوربا أثر في نشر الحضارة العربية الإسلامية ، ثم فيماى أنتجته رحلاتهم من تراث جغرافي أو كتابات تخص تلك الشعوب والأقطار التي زاروها ، كرحلة ابن فضلان وأبو عبيد البكري.

11- التقارب السياسي والعلاقات الدبلوماسية:
حيث سعت العديد من الدول الأوربية إلى توطيد العلاقات مع الدول العربية الإسلامية في الأندلس لاسيما في عصر الخلافة الأموية ، في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي اجتمعت في شخصه مواهب عدة أهلته لان يكون حاكماً ناجحاً ، فهو سياسي مرن وقائد شجاع وإداري صلب ، تمكن من خلق نظام قوي ومتين داخل الأندلس ، وتحقيق سمعة سياسية في الخارج ، أهلته لان يكون موضع إعجاب وتقدير الشخصيات المعاصرة له والتي سعت إلى صداقته وإقامة علاقات ودية معه.

وكانت الدولة البيزنطية في مقدمة الدول الساعية إلى توطيد العلاقات مع الأندلس ، وقد عاصر الخليفة الناصر من أباطرة بيزنطة الإمبراطور قسطنطين السابع المشهور عنه اهتمامه بالعلوم والآداب وكتب الأقدمين ، وقد وصلت سفارتين من الدول البيزنطية إلى الأندلس كانت الأولى سنة 336 هـ/ 947م ، حيث بالغ الناصر في تزيين بلاطه والاحتفال بالسفراء.
ورافقت هذه السفارة في طريق العودة بعثة من قبل الدول العربية في الأندلس كان على رأسها هشام بن هذيل يحمل جواباً من خليفته الناصر يؤكد على توثيق العلاقات بين البلدين ، وقد استغرقت سفارة ابن هذيل قرابة السنتين عاد بعدها إلى الأندلس.

12- الاستفادة من الأسرى المسلمين لنشر العلم وتعلمه:
كما كانت للمالك الاسبانية الشمالية علاقات دبلوماسية مع حكومة قرطبة على الرغم من ان الصراعات العسكرية هي التي كانت غالبة على العلاقة بين الطرفين ، إلا ان هذه الممالك كانت تدخل في وفاق عندما تكون عاجزة عن القيام بأي فعل عسكري تجاه الدولة العربية في الأندلس.
وحتى الحروب التي كانت دائرة بين الطرفين لعبت دوراً في التلاقح الفكري ، من خلال الأسرى ، إذ ما لبث البعض من أسرى المسلمين من علماء وأطباء ان تحولوا للعمل في بلاط أمراء الأسبان ، وفي الجانب الأخر أيضاً وقع بعض أسرى الأوربيين بيد المسلمين ، وعندما فك أسرهم نقلوا ما سمعوه وشاهدوه من تقدم حضاري في الأندلس.

13- ترجمة مؤلفات المسلمين العلمية:
حركة الترجمة ، والتي تعد قناة غير مباشرة ، ولكنها أثرت تأثيراً كبيراً في نقل أوربا من عصر الظلام والتخلف إلى عصر الانبعاث والتقدم.
بل كانت هي المؤثر الأكبر في نهضة أوربا على المدى البعيد.
وسأفرد لها موضوع خاص بها لأهميتها وأثرها الواسع في التأثير بنهضة أوربا.
وبعد:
فإن مظاهر تأثير الحضارة الإسلامية بالنهضة الأوربية واضحة لا ينكرها إلا:
جاهل ، أو متعصب، أو حاقد ومبغض، أو مقلد للغرب تابع لهم.
والذي علينا نحن المسلمين أن نفخر بانتمائنا إلى الإسلام، وأن نسير على درب العلم ونكون من المخترعين المبدعين، وأن نوضح وننشر للآخرين أثر الحضارة الإسلامية في أوربا ونهضتها وحضارتها وتقدمها.
والله أعلم .
المصادر:
- محمد عبد الرحمن مرحبا، الموجز في تاريخ العلوم عند العرب (بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1981)، ص10.
- كمال السامرائي، مختصر تاريخ الطب (بغداد، الدار الوطنية للتوزيع، 1984):1/13-20.
- محمود الحاج قاسم، انتقال الطب العربي الى الغرب (دمشق، دار النفائس، 1999، ص100).
- غوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر(بيروت1979)  529، 530، خليل ابراهيم السامرائي، دراسات في تاريخ الفكر العربي (الموصل، دار الكتب للطباعة والنشر، 1986) ص383.
- جلال مظهر، حضارة الإسلام واثرها في الترقي العالمي (القاهرة، مكتبة الخانجي، 1974). ص486.
- مرحبا، الموجز في تاريخ العلوم، عند العرب، ص14.
- مارغريتا لوبيز غوميز، إسهامات حضارية للعالم الإسلامي في اوربا عبر الأندلس، الحضارة العربية الإسلامية في الاندلس،(بيروت،دار الرشاد،1969) تحرير: سلمى الخضراء الجيوسي (ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999): 2/1478، وقارن: عبد الرحمن علي الحجي، الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، ص22-24.
- محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، (القاهرة، 1960):2/457-460 ،0 عبد الرحمن الحجي،الحضارة الاسلامية في الاندلس،ص27-28.
- ينظر: ابن ابي زرع، الانيس المطرب بروض القرطاس (الرباط، دار المنصور للطباعة، 1972). ص203.
- عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص اخبار المغرب، تحقيق: محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي (ط2، الدار البيضاء، دار الكتاب، 1978)، ص347.
- محمد العربي الخطابي، الطب والأطباء في الاندلس الاسلامية (بيروت، دار العرب الاسلامي، 1988): 1/29.
- محمود الجليلي، تأثير الطب العربي في الطب الاوربي، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد 32، الجزء 3 ، 4،  ،1981 ،ص188. وينظر محمود الحاج قاسم، انتقال الطب العربي الى الغرب، ص23 -24.
- جلال مظهر، حضارة الإسلام، ص497، جوزيف رينو، تاريخ غزوات العرب، ترجمة وتعليق: شكيب ارسلان (بيروت، 1966)، ص296.
- خليل ابراهيم السامرائي وآخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، (بنغازي، دار المدار الاسلامي، 2004) ص477، عبد الرحمن الحجي، الحضارة الاسلامية في الاندلس، ص49 50، جلال مظهر، حضارة الاسلام، ص497.
- زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة: فاروق بيضون وكمال دسوقي (بيروت، منشورات المكتب التجاري، د.ت)، ص140، خليل السامرائي واخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس، ص477.
- السامرائي، دراسات في تاريخ الفكر العربي، ص386، السامرائي واخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس، 477، 478
- سليم طه التكريتي "اوربا ترسل بعثاتها الى الاندلس"، مجلة الوعي الاسلامي، العدد 37 (الكويت: 1968)، ص90 وما بعدها (نقلاً عن السامرائي وأخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس، 477، 478.).
- لطفي عبد البديع، الاسلام في اسبانيا، (القاهرة، 1961)، ص30، 31،مارغريتا، اسهامات حضارية، الحضارة العربية: 2/1478.
- سعيد عبد الفتاح عاشور، المدنية الاسلامية وأثرها على اوربا (القاهرة، 1963)، ص184، مارغريتا، اسهامات حضارية، الحضارة العربية: 2/1478.
- إبراهيم بيضون، الدولة العربية في اسبانيا (بيروت، 1978). ص307، السامرائي    وآخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس، ص174.
- ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر (بيروت، مؤسسة جمال للطباعة والنئر،1979): 4/142، المقري، نفح الطيب، تحقيق: احسان عباس (بيروت، 1968):1/364.
- ابن عذاري، البيان المغرب، تحقيق: ج.س.كولان وليفي بروفنسال (بيروت، دار الثقافة، 1980): 2/215
- احمد بدر، تاريخ الاندلس، (عصر الخلافة) (دمشق،1974)، ص139، عبدالعزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة في الاندلس (بيروت، 1972): 2/166
- المقري، نفح الطيب:1 /566، وينظر السامرائي واخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس، ص175 – 158.
- احمد بدر، تاريخ الاندلس، ص142، وينظر: السامرائي وآخرون، تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس، ص176، 177.
- الأندلس بوابة التواصل الحضاري العربي الإسلامي – الأوربي، أ.د.نهلة شهاب احمد.