Thursday, December 17, 2015

مبادئ الاستراتيجية العسكرية الحربية الاسلامية (4):المرونة والمعنويات العالية



مبادئ الاستراتيجية العسكرية الحربية الاسلامية (4) (المرونة والمعنويات العالية):
ما أعظم الإسلام لمن درسه بإنصاف بعيدا عن التعصب المقيت والتطرف المنكر والحقد المظلم والكراهية الشنعاء والبغضاء الدموية.
ما أعظم الإسلام لمن درسه بعيدا عن تقليد ما يقوله أعداء الإسلام، وعن ترديد وتأييد ما ينشره أعداء الإسلام من مقولات كاذبة مخفية للحقيقة بعيدة عن الصواب، ممتلئة بالشبهات والتشكيك والنظريات الزائفة الزائغة عن الحق.
فإذا ما قرأت شيئا عن الاسلام فلا تقبله حتى تقرأه من جميع نواحيهه وتستمتع لجميع الأقاويل به وحتى تدرسه بالرأي والرأي الآخر، وقبل فعل ذلك لا تأخذ فكرة مسبقة وتنطلق منها بل كن متجردا من أي ميل لهذا أو ذاك أو ذلك، فعندها ستظهر لك الحقيقة واضحة مشرقة.
وبهذا ستتعرف على الإسلام الحقيقي الخالي من ظلاميات المتعصبين وتشوهات الأعداء ومن مقالات الزائفين الزائغين.
وبهذا ستعرف أن الإسلام دين عظيم يقوم على الجق والعدل ويدخل في مناحي الحياة اليومية من سياسة وحكم ودستور ومال واقتصاد وإدارة وحكومة وجيش، وكيف لا يكون كذلك، وهو دين الله الذي خلق البشر وهو أعلم بهم من أنفسهم؟!
 وفي هذا الموضوع تأكيد على ما سبق من بيان مبادئ الاستراتيجية العسكرية الحربية الاسلامية.
فمن مبادئ الاستراتيجية العسكرية الاسلامية:
1. مبدأ المرونة :
طبق المسلمون في إستراتجيتهم العسكرية وبشكل واضح هذا المبدأ .
حيث كانت القيادات العليا تصدر الأوامر بشكل عام وتترك التفاصيل للقيادات الفرعية وعلى كافة المستويات.
 وهذا ما كان يمنح القادة الميدانيين حرية التصرف حسب الموقف الذي يكونون فيه مما أوجد جيلا من القادة البارعين الواثقين من أنفسهم  القادرين على التصرف في أحلك المواقف.
 وكذلك ساعد على حسن التصرف والمرونة في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، وعدم التقيد بالأوامر الحرفية للقيادات العليا والتي قد تكون بعيدة عن الموقف الميداني للمعركة.
 وهذا ما جعل الاستراتيجية العسكرية الاسلامية تتمتع بالكفاءة والمرونة واللامركزية. وكذلك منحها مرونة نقل القطاعات وتغيير الجبهات حسب ما يستدعيه الموقف الراهن، وإن ما فعله خالد بن الوليد عندما نازل الروم في معركة اليرموك هو تغيير للخطة التي كان  يتوقعها العدو منه ،حيث قضى على جيش الروم الأول
 ثم انفرد بالجيش الثاني الذي كان يهدف إلى إبادة مؤخرة جيش المسلمين ،
واستخدم المسلمون أساليب مختلفة في القتال؛
1- حيث استخدموا أسلوب الالتفاف والإحاطة .
2-كذلك ضرب الاجنحه أو الأسلوب الجبهوي.
و3-كذلك أسلوب ضرب نقاط الضعف.
وكذلك استخدموا أشكالا مختلفة تنظيم القطاعات المقاتلة ،
1-حيث استخدموا أسلوب الرتل والصفوف كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) في معركة بدر ، حيث نظم الجيش بصفوف هو أسلوب جديد في القتال حيث تم تقسيم المقاتلين إلى صفوف أولها صف من المسلحين بالرماح تستخدم لصد الهجمات والصفوف الأخرى المتعاقبة تكون من المسلحين بالنبال التي تسدد على المهاجمين من الأعداء ،
وهذا الأسلوب يؤمن سيطرة  اكبر للقائد على قواته ويبقي بيد القائد قوة احتياطية يستخدمها عندما يتطلب الموقف ذلك ،
ويصلح هذا الأسلوب للدفاع والهجوم معا لأن فيه سيطرة و احتياط، ويسمح  باستثمار الفوز أكثر من غيرة من الأساليب ،
ولقد كان استخدام النبي(صلى الله عليه وسلم) لهذا الأسلوب في بدر دور كبير في تحقيق النصر على المشركين الذين استخدموا أسلوب الكر والفر،
وقد أثبتت التجارب الحربية قديما وحديثا إن أسلوب الصفوف هو طريق مناسبة وفعاله للقتال ، إضافة إلى أنه حقق عنصر المفاجأة  للأعداء لأنه أسلوب جديد لم  يعهدوه من قبل ،  
2-وأيضا طبق الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند تقربه من المدينة في بدر تشكيلا جديدا في المسير لا يختلف عن التشكيل المعاصر الذي تستخدمه القوات في الحرب الحديثة،
حيث تم تقسيم القوات إلى مقدمه ومؤخرة وبقية القوة ؛بالإضافة إلى دوريات استطلاع تسبق القوة المتقدمة وتؤمن الحماية لها من الكمائن والمصائد الغير متوقعه. 
3-وأيضا طبق المسلمون أسلوب الكتائب والكراديس.
4-بالإضافة إلى استخدامهم أسلوب الحصار الاقتصادي  على قريش الذي اجبرهم على الاستسلام في النهاية.
ويبدو أن المسلمين  كانوا يستخدمون الأسلوب الانجح والأحدث  والذي يؤمن لهم تحقيق الهدف بسهوله وبأقل تكاليف واقل خسائر .
2. مبدأ رفع المعنويات العالية :
إن الروح المعنوية وكما يعرفها علم النفس هي :" الحالة العقلية للفرد في وقت معين وتحت تأثير ظروف معينه " .
وقد عرفها الخبراء العسكريون بنها :" مجموعه من الأفكار والمبادئ التي تمكن الفرد من الاحتفاظ بالشجاعة والعزيمة والقدرة على تحم المصاعب والمواقف الحرجة " .
 وقد اعتبروها السلاح الفعال في يد القائد في ساحة المعركة بحيث تغطي جانبا هاما فيها ، وهي كذلك السلاح الفعال والأقوى ، وهي عبارة عن عملية تغذية المقاتل بشعور خفي تجعله لا يهاب الموت ولا يعرف المستحيل ولا تقف امامه الصعاب " .
  لقد اجمع الخبراء العسكريون وعلى مدار التاريخ على أهميه المعنويات واعتبروها العنصر الأساسي والهام في كسب المعركة والانتصار على الأعداء .
 وقد تنبه المسلمون إلى هذا العنصر وجعلوه من أهم ما تضمنته استراتيجيه الحرب لديهم.
وقد ارتكز المسلمون في تقويه هذا العامل إلى الإيمان العميق الذي كان يحمله المقاتلون في صدورهم والى سمو الهدف ونبل الغاية التي كانوا يقاتلون من اجلها .
 فخالد بن الوليد يخاطب جند الروم الذين تحصنوا في قلاعهم وحصونهم المانعة فيقول لهم :" والله لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو أنزلكم إلينا ".
 وكلمات عبد الله بن رواحه يوم مؤتة هي دليل على معنى المعنويات وقيمتها عند المسلمين ، حيث قال :" ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثر ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به " .
وقد شهد أعداء الإسلام قبل أصدقائه بالمعنويات العالية التي كان يتمتع بها جند الإسلام فها هو ( مونتغمري ) يقول :" لم تكن أهم مميزات الجيوش الاسلامية عبر التاريخ في تجهيزاتها وتنظيمها ولكن في معنوياتها التي كانت وليدة دينها " .
وهو قول نصفه حق ونصفه باطل، أما النصف الحق فهو أهم المميزات هو المعنويات العالية النابعة من الدين الاسلامي,
اما النصف الباطل فهو قوله (لم تكن أهم مميزات الجيوش الاسلامية عبر التاريخ في تجهيزاتها وتنظيمها) وهذا كلام خاطئ ، لأن الجيوش الاسلامية كانت تتمتع بكفاءة عالية في التجهيز والتنظيم الدقيق، وإن كان عددهم قليلا ، فهذا لا يمنع أن تجهيزهم وتنظيمهم كبيرا كما في غزوة بدر وفتح مكة ومعركة اليرموك والقادسية وحطين والزلاقة وغيرها.
 ويقول مونتغمري عن المعنويات بشكل عام وأهميتها :" إن أهم عامل في الحرب هو المعنويات وعندما تتدهور المعنويات تصبح الهزيمة حتمية "
وقد أدرك الرسول القائد أهميه المعنويات في تحقيق النصر والسيطرة على القوات حيث جسد ذلك عمليا في مواقف كثيرة أهمها : يوم أحد حين صعد إلى تلة مرتفعه وأخذ ينادي : " إلي يا فلان ، إلي يا فلان ، أنا رسول الله " وكان ذلك بقصد إشعار الجنود بأنه معهم وبينهم يواجه المخاطر والصعاب كما يواجهون فترتفع معنوياتهم ويعودون أقوياء ، وكذلك موقفه في بدر حينما قال لأصحابه :" والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل ، فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا ادخله الله الجنة " فألهب ذلك حماس المسلمين وزاد من معنوياتهم وقوى عزيمتهم .
المراجع والمصادر:
- محمود شيت خطاب ، الرسول القائد، منشورات مكتبة دار الحياة ،بيروت ، ط2، 1960.
- احمد العدوان ، المعنويات مسؤولية كل قائد ، مجله الأقصى ، العدد 771، تاريخ ا/10/1986.
- نزار عبد اللطيف الحديثي ، محاضرات في التاريخ العربي،بغداد 1979.
- ب.هـ.ليدل هارت ،الاستراتيجيه وتاريخها في العالم ، تقديم اكرم الديري ،ترجمه الهيثم الايوبي ،دار الطليعه ،  بيروت ،1979.
- محمد بن عبد الوهاب، مختصر سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، منشورات وزارة الأوقاف السعودية ، 1418هـ.

Wednesday, December 16, 2015

مبادئ الاستراتيجية العسكرية الحربية الاسلامية (3) (الانضباط العسكري و حشد القوى والاستعداد المادي)



مبادئ الاستراتيجية العسكرية الحربية الاسلامية (3) (الانضباط العسكري و حشد القوى والاستعداد المادي):
ما زلنا في بيان الاسترتيجية العسكرية الحربية الاسلامية التي سبقت  الاسترتيجية العسكرية الآن، وذلك بما انطوت عليه من مفاهيم وخطط وتعاليم قامت على العلم الدقيق والمعرفة الشاملة والواقع المعاش والايمان الراسخ والنظرة الثاقبة.
ومن  مبادئ الاستراتيجية العسكرية الحربية الاسلامية:

1. الانضباط العسكري:
 إن من أهم أسباب تفوق ونجاح الخطط العسكرية الحربية هو مدى التزام الجند بالأوامر والتعليمات الصادرة إليهم وخاصة عندما يشتد القتال وتزداد ضراوة المعركة.

 وفي الإسلام فان الانضباط الذي بلغه جند الإسلام لم يبلغه قبلهم احد، وعبقرية القائد تظهر بمدى التزام جنده وانضباطهم، حيث يقول سعيد حوى:"   ..... لذلك فان ثمانين بالمئة من عبقرية القيادة العسكرية تظهر في انضباط جندها معها في اللحظة الحاسمة ".  

 وان موقف الصحابه والتزامهم وانضباطهم عندما أمرهم الرسول(صلى الله عليه وسلم) بمقاطعه النفر الثلاثة الذين تخلفوا عن المسير إلى القتال في تبوك  - حتى من أقرب الناس إليهم  -، لهو دليل قاطع لا شك فيه على الانضباطية العالية  والالتزام .

وما هذه الانتصارات العظيمة التي حققها جند الإسلام على إمبراطوريه فارس وروما إلا نتاج الالتزام واحترام الأوامر والتعليمات .
وقد اثبت للمسلمين – في غزوة أحد - بأن إخلالهم بالأوامر التي تعطى لهم من قائدهم نتيجتها الفشل والتفتت والخسران ،وأدرك المسلمون بعدها بأن تنفيذ الأوامر هو الضبط العسكري الذي يعتبر روح الجندية والسبب المباشر لكل انتصار .

وان ما قام به جيش المسلمين  من استعراض أمام أبو سفيان يوم فتح مكة إنما هو دليل  على انضباطية عالية تستخدمها الجيوش الحديثة أثناء  الاستعراضات العسكرية التي تهدف من خلالها إيصال رسالة معينه إلى طرف أخر ،مما أصاب  أبو  سفيان  بالانبهار والدهشة والذعر  ودفعه للقول :"ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقه والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما " .

 والإسلام بتعاليمه العظيمة وفرائضه الجليلة  التي يطبقها المسلم  ،إنما هي عمليه تدريب عملي على الانضباط والطاعة والنظام .
 فوقوف المسلم في الصلاة منتظم الصف خمس مرات في اليوم يجعله يشعر بالانضباط والنظام.
 وان أدائه لمناسك الحج هو تدريب واقعي على الطاعة والالتزام والانضباط.
وكذلك الحال في الصيام الذي يعتبر مدرسة عظيمة في الانضباط والطاعة والنظام .
وكذلك الأمر في أداء الزكاة لهو أمر غاية في الانضباط والطاعة للأمر الذي يحبه الإنسان وهو المال بأداء ما افترض عليه من زكاة.

وأثبتت الحرب الحديثة والتي أصبحت تستخدم فيها الأسلحة المتطورة والطيران والقذائف والصواريخ التي ترمى من مسافات بعيدة بأن الانضباط أصبح ضرورة لكل فرد بشكل مستقل وليس للجماعة مجتمعه فقط ،وذلك لأن الجندي قد يواجه موقفا صعبا بشكل منفرد يفرض عليه أن يؤدي واجبه دون أن يكون عليه رقيب أو حسيب ،ذلك لأن عملية مراقبة القائد لجنوده بشكل فردي ومباشر أصبحت صعبة بل مستحيلة ، لذا فان توليد الشعور الذاتي بالانضباط لدى الجنود دون مراقبه ، هو الأساس في بناء الحالة العقلية التي تجعل هذا الأمر غريزيا.

     وقد أجمع علماء النفس والخبراء العسكريون بأن الانضباط الذي يكون في غياب القائد وغياب الأوامر هو الانضباط الذي يجب أن يتحلى به العسكريين في الحرب الحديثة .

2. حشد القوى والاستعداد المادي:
  إنه من المبادئ العسكرية الهامة التي تدرس في العلوم العسكرية والتي لا يمكن لأي جيش أن ينجح في أي عمليه عسكريه مهما كان حجمها بدونه هو حشد القوى والاستعداد المادي.

 إن حشد الإمكانيات والطاقات المتوفرة للأمة سواء كانت بشرية أو اقتصادية أو معنوية هو جماع الأمر كله في نجاح او فشل العمل الذي تنوي القوات المسلحة القيام به،ونجاح القائد يكمن في كيفيه استخدام هذه القوى واللحظة المناسبة لاستخدامها .

 وهذا ما قام به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ بدء الدعوة حيث أخذ يدعو الناس إلى توحيد الله وجمع صفوفهم وتوحيدها وتقديم مصلحه الأمة على المصالح الفردية الخاصة .
 حيث عرض الدين الجديد على أقرب الناس إليه من أهل بيته وأصدقائه وأقاربه حيث حشد النواة الأولى لهذا الدين ، مستجيبا لنداء ربه :" وانذر عشيرتك الأقربين "  
 ثم بدا  يحشد كل الإمكانيات والطاقات المتوفرة في الأمة لخدمه أهدافها السامية –وذلك وفقا لما خوله إياه الشارع العظيم - .
 وقد ضرب في ذلك أروع الأمثلة ، حيث كان المسلمون يتبرعون ويحشدون كل ما  يملكون لخدمه أهداف العملية التي ينوون القيام بها ، ولكنه (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يستخدم منها إلا الحد الأدنى الذي يحقق الهدف بأقل الخسائر وأسرع الأوقات بعيدا عن التهور والتسرع وهذا هو أسلوب القائد العبقري الناجح المتبصر . 

ولنا في فتح مكة خير مثال على ذلك ،حيث كانت كل الظروف مهيأة أمام المسلمين لتحقيق النصر العسكري الساحق على قريش، ولكنه (صلى الله عليه وسلم) لم يشاء إلا أن يجعل من هذا الفتح وسيله للتأليف بين القلوب وزرع المحبة والوفاق بدل الخصام والانتقام بين الناس مما ساهم في استماله القلوب نحو الإسلام  ، رغم انه حشد قوات كبيرة وكثيرة العدد يستطيع بها أن يحطم قوة قريش إلى الأبد .

وكذلك فعل (صلى الله عليه وسلم) في غزوة تبوك باستخدامه الحد الأدنى من الحشد المتوفر .   

وكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يستعمل اسلوب حشد القوى والطاقات واستنفار كل امكانيات الأمة  مستخدما ما يسمى "بالحرب الاجماعية " والتي تعني :" تحشيد كافه قوى ألامه – وليس الجيش وحدة – المادية والمعنوية والعقلية للإغراض الحربية .".
  وحرب المسلمين الاجماعيه كانت غايتها نشر الإسلام وتوطيد أركانه فهي حرب الفروسية الشريفة .

وقد طبق ذلك في مواقف كثيرة أهمها غزوة تبوك ، حيث انه كان (صلى الله عليه وسلم) يحض اهل الغنى على النفقه ، فحمل رجال من اهل الغنى واحتسبوا ، وانفق عثمان بن عفان ( رضي الله عنه) ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها وألف دينار ".   

ولكن يكون النجاح بهذه الحالة باختيار الهدف  الحساس المناسب الذي يسبب الشلل للعدو ويضعف قوته ، وهذا ما استخدمه النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما حاصر الكفار من قريش وغيرهم المدينة المنورة ووجد أن أسهل وأفضل وسيله لضرب الأحزاب المتعاونة ضده هو بزرع بذور الشك بينها وكذلك بتوجيه الضغوط النفسية على اليهود مما حطم كيانهم وأنهى التعاون الذي كان قائما بينهم .  

وسار الصحابة عليهم رضوان الله على نفس المسار فيما يتعلق بتطبيق هذا المبدأ  بعملياتهم العسكرية التي قاموا بها بعد النبي (صلى الله عليه وسلم).

 حيث طبقه أبو بكر في فتح العراق وفتح الشام حيث كان يعتمد في بداية الأمر على نجوعه منتقاة من الجيش ثم يمد قادته بما يحتاجون من الرجال والعتاد حيث كان يقول لهم :" فانه ليس يأتيهم  - أي الروم – مدد إلا  أمددناكم بمثله او ضعفه " ، وهذا يدل دلاله لا لبس فيها على أنه كان  يحشد في الاحتياط الكثير من العدد والعدة .

وتوسع نظام حشد القوى وتطور في عهد عمر بن الخطاب مع تطور الدولة الاسلامية وتوسع نشاطاتها العسكرية حيث وصلت الأمور إلى إعلان التعبئة العامة  -  النفير – في الدولة الاسلامية عندما كان يستدعي الأمر ذلك. 

والمستعرض للتاريخ الإسلامي يجد أن كثير من قادة المسلمين استخدموا هذا المبدأ (حشد القوى ) وطبقوه خير تطبيق .

فالملك المظفر(قطز) وقبل معركة عين جالوت بدأ بتهيئه الأمة للقتال وتجنيد كل طاقاتها وإمكانياتها المادية والمعنوية  لمواجهه العدو ، حيث يذكر التاريخ أن الملك المظفر قد فرض على كل فرد من أهل مصر ذكرا  كان ام أنثى دينارا واحدا وأخذ من أجرة الأملاك والأوقاف شهرا واحدا ، وأخذ من أغنياء الناس زكاة أموالهم مقدما،وأخذ من الطبقة الغنية ثلث أموالهم واخذ على الغيطان والسواقي أجرة شهر ، ..."، وذلك بعد ان طبق هذا على نفسه وأهله وحاشيته وقادته.

وكذلك فعل الكثير من قادة المسلمين على مر العصور بمختلف البقاع.
مما يؤدي إلى القول بأن الانتباه لمثل هذه الاعمال الدقيقة والحالات المتنوعة وتطبيقها في حاضرنا ضد أعدائنا يدفعنا للنصر دفعا ويجعلنا منتصرين ، ولكن جنوح الطبقة الحاكمة ومن يتبعها للابتعاد عن الاسلام ومحاربته ومحاصرته سيجعلهم دائما في ذل أمام العدو وفي جبن واستخذاء، ويقدمون فروض الطاعة بمختلف أشكالها المتفقة على محاربة الإسلام، وهذا لهو ذل ما بعده ذل، وضعف ما بعده ضعف.

المصادر والمراجع:
- محمود شيت خطاب ، الرسول القائد، منشورات مكتبة دار الحياة ،بيروت ، ط2، 1960.
- محمد بن عبد الوهاب ، مختصر سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) منشورات وزارة الاوقاف السعوديه ، 1418هـ.
-زكريا مطلك الدوري ، الإدارة الإستراتيجية ، مفاهيم وعمليات وحالات دراسية ، دار اليازوري ، عمان ، 2005.
- عبد الله العتوم ، مبادئ الإستراتيجية الإسلامية ، مجلة الكلية العسكرية الملكية ، السنة 1985.
- محمد جمال الدين محفوظ ، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية ألعسكريه الإسلامية ، الدار ألمصريه للكتاب ، القاهرة ، 1976.

Tuesday, December 15, 2015

مبادئ الاستراتيجية العسكرية الاسلامية (2) :(الحرب النفسية والحرب السلمية)



مبادئ الاستراتيجية العسكرية الاسلامية (2) :(الحرب النفسية والحرب السلمية)

إن الاسلام دين يقوم على مراعاة مصالح العباد، ويهتم لأمنهم وأمانهم وتوفير السلام لهم، ولذا كانت الحرب في الإسلام في أصلها حرب دفاعية تقوم على رد الباغي ودفع المعتدي أو ضد ناقض العهد أو مثير الاضطراب في بلاد الإسلام،وغير ذلك، وهو حق مشروع لكل البشر بغض النظر عن دينهم وانتمائهم، وهذا ما كان عليه الحرب في الإسلام، حرب دفاعية أو تكون للمساعدة من قبل جيران الدولة وهذا ما يتطلبه حسن الجوار.

وقد تنوعت مبادئ الاستراتيجية العسكرية الإسلامية، ومن أهم مبادئ الاستراتيجية العسكرية الاسلامية هي الحرب النفسية والحرب السلمية، وكلاهما على جانب من الأهمية كبير، وذات موقع ممتاز في نظرة الإسلام للمبادئ العسكرية وقواعدها.

فمن مبادئ الاستراتيجية العسكرية الاسلامية:

1.الحرب النفسية:
تلعب الحرب النفسية الدور الأكبر في انتصار الجيوش وتفتيت الأعداء والقضاء على معنوياتهم وتحطيم قوتهم .
وفي الإسلام فان هذا المبدأ هو أساس الاستراتيجية القتالية الاسلامية وذلك لأهميته وقيمته في تحقيق النصر .
وقد أدرك الرسول القائد محمد (صلى الله عليه وسلم) ببصيرته الثاقبة أن المعنويات عنصر هام لابد منه حيث قال (صلى الله عليه وسلم)  ": جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم ألسنتكم " .
وهنا بيان لأهمية الحرب النفسية والتي تشن بواسطة وسائل الإعلام المختلفة .
 وقال (صلى الله عليه وسلم) :"إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ".
 وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول لحسان بن ثابت :" ... إذا حارب أصحابي بالسلاح فحارب أنت باللسان " .
وعندما ألقى عبد الله بن رواحه قصيدة بين يدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال:" خل عنه يا عمر ،  فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل"  .
 يتضح مما سبق أهميه الحرب النفسية وهذا ما أثبتته التجارب والخبرات العسكرية وفنون العلم العسكري على مدار الزمن.
 وتزداد أهميه الحرب النفسية عندما يتم شنها قبل بداية الحرب لأنها تؤدي إلى إضعاف القوة وتفتيت التماسك بين الصفوف وإضعاف الإرادة القتالية لدى الخصم ، مما يسهم بتحقيق الانتصار بسرعة وسهولة.
وفي العصر الحديث فإن الحرب النفسية تتصدر المكانة الأولى بين الأسلحة التي يمكن أن تستخدمها القوات في المعركة .
وفي الاستراتيجية الاسلامية  فقد احتلت الحرب النفسية أهميه كبرى في تحقيق النصر وقد نجح المسلمون نجاحا عظيما في تطبيق هذا المبدأ.
 حيث نجح الرسول (صلى الله عليه وسلم) في تفتيت التماسك المعنوي والنفسي لقريش في فتح مكة وحقق النصر دون ان يريق قطرة دم واحدة ودخل مكة مرفوع الهامة  عزيزا مكبرا .
وكذلك الحال عندما حقق الرسول محمد عليه الصلاة والسلام النصر في تبوك عندما قال:" نصرت بالرعب " .
 قال ابن هشام يروي قصه فتح حصون خيبر عن انس بن مالك :" واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله (عليه الصلاة والسلام)  والجيش ، قالوا محمد والخميس(أي الجيش) وأدبروا هربا ، فقال رسول الله : الله اكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ".
وقد أدرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)أن ثبات القائد ورباطه جأشه هي عامل نفسي  هام في إثبات والنصر وإن موقفه في حنين هو خير دليل على ذلك ،عندما فر الجيش ولم يبق حوله أحد حيث صاح بالقوم وقال يا معشر الأنصار : فقالوا لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك وهو على بغله بيضاء فنزل فقال :" أنا عبد الله ورسوله.
 ويقول المقوقس عن وفد المسلمين المفاوض :" لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتالهم احد " .
هذا وقد بينت العلوم العسكرية أهميه الحرب النفسية ودورها في تحقيق النصر وتفتيت قوة العدو .
 حيث يقول الجنرال الألماني رومل:" إن القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أبدانهم " .
ويقول تشرتشل:" كثيرا ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ " .
 واليوم تدرس الحرب النفسية كجزء هام من الأساليب الاستراتيجيه التي لأغنى عنها للقوات المسلحة في المدارس العسكرية المختلفة وتدخل في إطار العقائد العسكرية الشرقية والغربية .

2. الحرب السلمية :
   يسمي الخبراء العسكريون  "الحرب السلمية" بــــ "الحرب العادلة" والتي يكون الغرض منها هو تحقيق السلم واحترام حياة وأملاك الأبرياء وحسن معامله الأسرى والرهائن.
والحرب في الإسلام لم تكن يوما إلا من أجل ذلك الهدف السامي وهو تحقيق السلم لأن الحرب في الإسلام في الأصل حرب دفاعية لا يبدأها المسلمون، وغايتها حماية حرية العقيدة وتأمين حرية انتشارها بين الناس ورد العدوان ليس إلا.
 ولم تكن غايتها الاعتداء وترويع الآمنين .
 إن الحرب في الإسلام  كفاح شرف لا يلجأ فيه المقاتلون إلى القيام بأي عمل يتنافى مع الأخلاق ومع الشرف.
 ففيها احترام للعهد والميثاق وصدق بالوعد والوعيد حيث كان المسلمون يوفون بعهدهم والتزاماتهم للأطراف الأخرى التي يدخلون معها في عهد أو ميثاق .
إن الحرب في الإسلام ليس فيها خيانة أو تمثيل بالقتلى أو إساءه لجرحى أو ترويع للآمنين ،قال تعالى:" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم * ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "  .
وحتى الحرب في الإسلام فيها الرحمة والعفو والصفح،  قال تعالى :" وان جنحوا للسلم فاجنح لها" .
وان موقف النبي (صلى الله عليه وسلم) في فتح مكة لهو دليل على ذلك حيث قال لأشد الناس عداوة له  :" اذهبوا فانتم الطلقاء ، وان لا تثريب عليكم اليوم "، فحولهم بعبقريته من أعداء إلى جند مخلصين .
كذلك فان الحرب في الإسلام ليس فيها اكراه أو إجبار على اعتناق الدين،حيث يقول تعالى :" لا اكراة في الدين " .
وها هو الرسول القائد يوصي جنده المتوجهين للقتال بقوله :"اغزوا باسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله ، اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا " ،أي رحمه بعد هذا ؟ .
 إنها منهج عسكري متكامل احتاجته الأمم المتمدنة الراقية حين قاتل بعضها بعضا واستعملت ضد بعضها أقوى وأفتك الأسلحة فمات الملايين وتشرد الملايين واغتصب وانتهك عرض الملايين ، انه قول فصل يؤسس  لقانون دولي إنساني قبل القوانين الوضعية بمئات السنين.
فالقتال في الإسلام ليس غاية ولم يكن كذلك يوماً، والدليل على ذلك هو ما يقوله ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) :"حيث يقول:"ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم ".
 وقد سار الصحابة الكرام على ذات النهج العظيم.
 فأبو بكر الصديق يوصي قائد جنده وهو يستعد لخروج للقتال ، فيقول له :" إذا سرت فلا تعنف أصحابك في السير ولا تغضبهم ، وشاور ذوي الآراء منهم ، واستعمل العدل وباعد عنك الجور ، فانه ما افلح قوم ظلموا وألا نصروا على عدوهم ، وإذا نصرتم فلا تقتلوا شيخا ولا امرأة ولا طفلا " ، "ولا تحرقوا زرعا ولا تقطعوا شجرا ولا تذبحوا بهيمة  إلا ما يلزمكم للأكل  ولا تغدروا اذا هادنتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على أقوام في الصوامع رهبان ترهبوا لله فدعوهم وما انفردوا اليه وارتضوه لأنفسهم ، ولا تهدموا صوامعهم ولا تقتلوهم ، والسلام " .
 وهذا ما سار عليه الخليفة العادل عمر بن الخطاب الذي أوصى سعد بن أبي وقاص عندما وجهه إلى بلاد فارس ليفتحها قائلا:
" أما بعد فاني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى اله في كل حال فان تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب ، وان تكون أنت ومن معك اشد احتراسا من المعاصي من عدوكم ، فان ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسمون بمعصية عدوهم له ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة،  لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لم ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقولنا ،
واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ،واسألوا الله العون على أنفسكم  كما تسألونه النصر على عدوكم، وأقم بمن معك في كل جمعه يوما وليلة حتى تكون لهم راحة يريحون بها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ، وأبعد منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به ".
وإني أجد هذه الوصية غاية في العلم والفهم، وجدير بالمناهج العسكرية أن يحفظوها ويتعلموها ويطبقوها.
المصادر والمراجع:
- سعيد حوى ، الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ج1 ، 1971.
- عبد الله العتوم ، مبادئ الإستراتيجية الإسلامية ، مجلة الكلية العسكرية الملكية ، السنة 1985.
- محمد جمال الدين محفوظ ، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية ألعسكريه الإسلامية ، الدار ألمصريه للكتاب ، القاهرة ، 1976.
-مجلة الكلية العسكرية ، العدد 19 ، 1982، ص 30 -32.
-مجلة الأقصى، العدد 764،  آذار  1986
- صحيح ابن حبان ج 11.
- مستدرك الحاكم ، ج 1 .