Wednesday, December 23, 2015

تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -5-هيئة العمليات والتدريب

تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -5-( هيئة العمليات والتدريب):

ينبغي على المسلم أن يتعرف أكثر عن أمور دينه وعلى سيرة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ويستنبط مما يقرأ الفوائد والمنافع الحاصلة في الأمور الدينية والدنيوية والأخروية، من خلال قراءة متأنية متبصرة مسترشدة للنور مستهدية للحق طالبة للحقيقة.

وبهذه القراءة يجتمع لديه علم ومعرفة، يكون سلاحه أمام مثيري الشبهات والساخرين من الإسلام ورسوله، فيرد عليهم بالحجة والدليل والبرهان بأن الإسلام دين الحق والعدل، دين صالح للمجتمع وللسياسة ولمناحي الحياة ومنهاالتنظيم والقيادة، كما فعله النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ومثاله تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جانب هيئة العمليات والتدريب.

هيئة العمليات والتدريب :
وهي الجهة الحساسة والمهمة في القيادة العسكرية وذلك لأنها تختص بالتخطيط لاستخدام القوات في السلم والحرب وتطويرها والتأكد من جاهزيتها للقيام بمهامها دائما، وكذلك تعنى بموضوع التدريب على الأسلحة والمعدات وعلى أساليب القتال وفنونه.

وقد اهتم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على تضمين قيادته العسكرية لهذه الهيئة الحساسة والهامه، حيث ضمت إدارات مختصة بالتدريب والتخطيط لعمليات ومتابع شؤون القتال وإجراءات المعركة ،وقد كانت تضم هذه الهيئة عددا من الإدارات التي تقوم بواجبها حسب الاختصاص وهي  :

أ‌.        إدارة التدريب -ب- هيئة الأمن والاستطلاع:
وسنتكلم عن إدارة التدريب
أ‌.        إدارة التدريب :
  لا شك ان التدريب عنصر هام و نشاط حيوي من عناصر ونشاطات الحياة العسكرية ، فلا يمكن لجيش ان يقوم بمهامه وواجباته على أكمل وجه إلا بالتدريب ، ولأهمية التدريب فإن الجيوش تؤسس إدارات وهيئات مختصة بالتخطيط عمليات التدريب والإشراف عليها ومتابعتها وتوفير كلُّ ما مِن شأنه أن يهيئ أسباب التدريب الجيد لجنودها ، وللتدريب فوائد جمة وأثار ايجابية كثيرة أهمها :
- بقاء الجنود على درجه عالية من الكفآة والاستعداد .
- التأهب المستمر للقتال والدفاع عن الأوطان .
- الثقة العالية لدى الجنود بأنفسهم وبقادتهم .
-تحقيق النتائج المطلوبة في ساحة المعركة .
- توفير الخسائر والتقليل منها في ميدان القتال .

أما في الإسلام فقد حظي التدريب في العسكرية الاسلامية بالعناية  والرعاية وذلك كجزء من إعداد القوة التي أمر الله بها

فقد اهتم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالتدريب والاستعداد  وحث عليه وشجع أصحابه وجنده على ان يكونوا أقوياء أشداء ، حيث قال:" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله  من المؤمن الضعيف ".

و شجعهم على تعلم الفنون القتالية وإتقان المهارات المختلفة، كالرماية وركوب الخيل والسباحة والتدرب على السلاح ، ومن أحاديثه الشريفة الدالة على ذلك قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:" ألا إن القوة الرمي "وكررها ثلاثا.
وقال أيضا :" ارموا بني إسماعيل فان أباكم كان راميا ".

ومما يدل على احترام النبي محمد صلى الله عليه وسلم للتدريب والمتدربين ، انه مر بموضع يتدرب فيه الصحابة على الرمي ، فنزع نعليه وقال:"روضٌ من رياض الجنة".  وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مشجعا لركوب الخيل والتدرب عليها :" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة  ، الأجر والغنيمة ".

 وعني النبي محمد صلى الله عليه وسلم بتزويد جنده بأحدث الأسلحة ليواكبوا التطورات ويتفوقوا على عدوهم ، حيث بعث نفر من الصحابة إلى (جرش) ليتعلموا صناعه الدبابات والمنجنيقات وغيرها من الأسلحة التي كان يتفوق غيرهم بها .

ومن أجل تطوير التدريب وتحسين مستوى المقاتلين فقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحثهم على التنافس فيما بينهم ، ويجري المسابقات بينهم .

ومن عناية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالتدريب أنه سمح للأحباش بالتدرب على المبارزة في المسجد ، بل إنه كان ينظر إليهم ، وعندما أنكر عمر عليهم ذلك الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لعمر :" دعهم يا عمر". 

وقد كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يصنع من أتباعه وصحابته وجنده قادة أشداء وليسوا إمعات منقادين، فكان كل واحد مكنهم قائد بحد ذاته،وقد كان هذا احد عوامل الاستمرارية لهذا الدين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أوجد بعده  قادة يحملون المسؤولية ويقومون بمتطلبات  هذا الدين، ويستشعرون بالمسؤولية تجاه نشره، ولديهم القدرة الفائقة على اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.

وسيرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام مليئة بالمواقف والأحداث التي تدل على أنه كان يتعامل مع أصحابه على أنهم قادة أشاوس أصحاب رأي، وأصحاب موقف، ولديهم القدرة على صنع القرار، وقد أوردنا أمثله كثيرة تدل على ذلك ، ولعل من أبرزها ما كان في غزوة بدر حينما نزل النبي صلى الله عليه وسلم أول ما نزل في مكان معين، جاءه رجل عادي من جنوده، هو الحباب بن المنذر رضي الله عنه، قال: "يا رسول الله أهذا منزل أنزلك إياه الله ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟"قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة) قال: "فما هذا بمنزل".

فقام النبي صلى الله عليه وسلم،واحترم رأي الجندي  وغيّر مكان الجيش الذي نزل به،بل انه غير الخطة كلها بناءاً على اقتراح وجيه جاءه من جندي في الجيش .

والحقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع كل شخصية من صحابته بما يناسبها،فبعض الصحابة كانت فيهم موهبة القيادة من قبل إسلامهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على تنميتها وصقلها والاستفادة منها في خدمه الدين ، كأمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين .

أما الصحابة الذين كان يرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أن القيادة حمل ثقيل عليهم لأسباب متعددة ، فقد وجههم إلى أمور أخرى كالتعليم والتدريس والدعوة  ، ويظهر ذلك في قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لأبي ذر:": (يا أبا ذر إني لأراك ضعيفا وإني لأحب لك ما أحب لنفسي لا تَأْمُرَّنَ على اثنين) أي لا تكن أميرا  أو قائدا ولو على اثنين.

 وهناك جيل آخر من الصحابة الذين ولدوا وتربوا في مدرسه الإسلام  فهولاء صار معظمهم ، قادة أشداء ساهموا في نشر الدين وحققوا الانتصارات والفتوحات  ،وتوزعوا في البلاد المختلفة، وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على أن الأصل أن البيئة التي صنعها النبي صلى الله عليه وسلم هي بيئة تصنيع قادة، وهي مدرسة متكاملة لازالت تخرج قادة متميزين جيلا بعد جيل على مر العصور.

ومن أبرز المشاكل الإدارية المنتشرة في زماننا هي  تربية الأتباع والمرؤوسين  تربية عبيد لا تربية قادة ، في كثير من المنظمات تجدها في أغلب الأحيان تمارس نظاما إداريا مركزيا لا يهتم بالمرؤوسين وخاصة  ذوي الكفاءات العالية ، بل قد تجد  كثير من المدراء في المراكز العليا يخافون ويبتعدون عن تعيين ذوي الكفاءة العالية حتى لا يأخذوا مكانهم في المستقبل او يتفوقوا عليهم في الأداء فيجلبوا الانتباه إليهم من خلال نجاحهم  مما يسبب خسارة المنصب لمثل هؤلاء المدراء ، وتجدهم كذلك غير حريصين على تطوير موظفيهم تطويرا حقيقيا يؤهلهم ليخلفوهم من بعدهم في المراكز القيادية ، ولذا فان مثل هؤلاء القادة  المتسلطين الأنانيين لا يعجبهم إلا أن يسير وراءهم مجموعة من المرؤوسين الذين لا يفقهون شيئا ولا يتقنون شيئا .

إن وجود مثل هؤلاء القادة والمديرين إضافة إلى وجود القوانين البالية التي لا تحافظ إلا على الروتين والبيروقراطية الجامدة التقليدية ، يعتبر من أكبر أسباب فشل كثير من المنظمات، وانطباعها بطابع السلبية وتعطل كفآتها وطاقاتها  الإنتاجية، ولا شك أن عدم وجود أتباع مخلصين واعين يعبرون عن آرائهم بشجاعة، ويستفسرون من قيادتهم عن أسباب قراراتهم، ويقومون بواجب النصح لقادتهم يعتبر كارثة محققة لأي مؤسسة . 

أما في الإسلام فالأمر مختلف فالمدرب والمتدرب لهم الاحترام والتقدير ولأرائهم كل الاهتمام والإصغاء ، لأن الإسلام يحترم الناس كافه صغيرهم وكبيرهم أبيضهم وأحمرهم عربيهم وأعجميهم .

أما بالنسبة للمدرب فقد احترمه الإسلام وكرمه ورفعه منزله عالية ،فمن يعلم في الإسلام منزلته ليس كمن لا يعلم  وفي هذا يقول تعالى :" يرفع الله الذين امنوا منكم والذين أوتوا العلم  درجات " ، ويقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:" العلماء ورثه الأنبياء ".
وقد أراد الإسلام لمدرب والمعلم صفات وآداب تليق به وبمكانته ، ومن هذه الآداب :

-التواضع ولين الجانب: حيث يقول تعالى :" وفوق كل ذي علم عليم " ،" وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " .وقال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:" كفى بالمرء إثما إذا أعجب برأيه " ، وقال أيضا :" وما تواضع احد إلا رفعه الله ". 

-الثقافة الواسعة :   على المدرب والمعلم ان يكون ذا ثقافة واسعة وإطلاع كبير على كل ما يتعلق بعمله  وتخصصه أضافه الى تعرفه على كل ما هو جديد في عالم المعرفة والعلوم ، مستجيبا لقول ربه : " وقل ربي زدني علما".

-القدوة الحسنة : لأن تلاميذه سيحذون حذوه فيما يقول وفيما يفعل لذا عليه أن يتصرف بأحسن الأخلاق وأحسن الأفعال .

-فصاحة اللسان والبلاغة في القول : لكي يستطيع ان يوصل رسالته بسهولة ولكي يكون مقنعا فيما يقول .

-الواقعية  : وفي ذلك يوجهنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بقوله :" أُمرنا معاشر الأنبياء  أن نكلم الناس على قدر عقولهم ".

-الصبر والحلم والأناة :  وقدوتنا في ذلك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي وجهه ربه إلى هذه الصفة الطيبة حين قال تعالى :" ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ".

-تقبل النقد والتراجع عن الخطاء : ويسير في ذلك على هدى الحق حين قال :" ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " .

      وهناك صفات أخرى كثيرة يتطلبها واقع الحال المعاش على المدرب والمعلم وكل من تولى تعليم الآخرين وتدريبهم أن يتصف بها ، لينال رضا ومحبه من يتولى تدريبهم وتعليمهم .

المصادر والمراجع:
- زهاء الدين عبيدات ،القيادة والإدارة التربوية في الإسلام ، دار البيارق ، عمان ، 2001.
- مهدي الحسيني ، مسؤوليات القيادة الاسلاميه ، دار المشرق العربي الكبير ، لبنان ، 1978.
- احمد عبد ربه بصبوص ، فن القيادة في الإسلام ، مكتبة المنار،  الزرقاء الأردن ، 1989.
- محمد جمال الدين محفوظ ، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية ألعسكريه الإسلامية ، الدار ألمصريه للكتاب ، القاهرة ، 1976.
- سعيد حوى ، الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، ط2، دار الكتب العلمية ، بيروت ،

Tuesday, December 22, 2015

تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -4- إدارة الشورى



تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -4-(إدارة الشورى):

الحديث عن الإسلام باعتدال وبعيدا عن التعصب  والحقد والكراهية والنظرة المسبقة أمر ضروري لكل باحث يبحث عن الحق والحقيقة.
وهذا الأمر يقود إلى نظرة موضوعية شاملة لمجال البحث العلمي ومنهجه القويم.

ومن هذا المنطلق وبوجود أدلة كبيرة وكثيرة يخلص الناظر للشريعة الإسلامية ولتعاليمها العظيمة إلى أن الإسلام دين العدل والاعتدال، دين الرحمة والسلام، دين المحبة والفطرة الإنسانية، وأن الإسلام شامل لجواني الحياة، وأهمها القيادة سواء كانت العسرية والحربية أو السياسية والاجتماعيىة.

ويظهر ذلك جليا فيما طبقه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في حياته ليكون منهاجا لنا وقدوة نقتدي بها على اعتبار مراعاة العصر و المكان.
ومن ذلك إدارة الشورى التي تعتبر من أهم ضروريات القيادة في أي مجال.

إدارة الشورى في تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم :
  
 ان من ضروريات القيادة العسكرية الناجحة هو وجود هيئة ركن مستشارة مؤتمنة ، واجبها تقديم النصيحة للقائد ووضعه بصورة  الموقف باستمرار ، وبيان أفضل الطرق واتباع أحسن وأحدث الخطط التي تؤمن تحقيق الأهداف بأقل التكاليف وبأقصر الأوقات. والشورى في الإسلام هي أمر الهي يجب أتباعه لأن فيه النفع والخير لمن سار عليه ، فالشورى حسنة في كل الأمور، لأن تطارح الأفكار وتداول الآراء وتدارس الخيارات المطروحة  والمجادلة الفكرية كلها تؤدي إلى الوصول إلى نتيجة حسنة وقرار سليم.

قال الله الخبير :" وأمرهم شورى بينهم " ،وقال: " وشاورهم في الأمر ".
وقد ضرب رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في تطبيق هذا الأمر الإلهي حيث كان كثير المشاورة لأصحابه ، وكان يقول لهم :" استعينوا على أموركم بالمشاورة " ،وقال أيضا:" ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم ".
 وكان يطلب من أصحابه أن يشيروا عليه بآرائهم ، فكان يقول لهم :" أشيروا عليَّ الناس".
وقال عنه أبو هريرة :" ما رأيت أحدا قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام"سنن البيهقي .

وفي الاستشارة الخير وعدم الندم على اتخاذ القرارات الفردية المتسرعة ، حيث يقول رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام:" ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال-افتقر- من اقتصد " الطبراني ، المعجم الصغير .   

لقد شاور رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام أصحابه ذوي الخبرة العسكرية  في أمور الحرب وقتال العدو واختيار الزمان والمكان المناسبين .
 فقد شاروهم في بدر ونزل عند رأي الحباب بن منذر في لنزول عند آبار بدر.
 وفي معركة أحد أخذ رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام برأي الشباب في الخروج خارج المدينة.

 وهذا يدلنا على أن رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام قد ربى المجتمع المسلم كله على الشورى ليكون مجتمعا شوريا وليس فرديا متسلطا وهذا ما سار عليه صحابته من بعده .

 أما فوائد الشورى في المجتمع المسلم:
1.    تولد الشعور لدى أفراد ألامه بأنهم يتحملون مسؤولية اتخاذ القرارات وخاصة في الظروف الصعبة كظروف الحرب والقتال .
2.    تؤدي الى استخراج واستنباط الرأي الأصوب والأحسن والأصلح للامه .
3.    تساهم في توحيد كلمه الأمة واتحاد صفها ورأيها وبأنها صاحبه موقف ورأي واحد .
4.    تمنع الاستبداد بالرأي والتعنت في اتخاذ القرارات .
5.    هي تعبير عن الاهتمام بالناس واحترام رأيهم وكلمتهم .
6.    تؤدي الى وضوح الرؤيا وجلب الخير والمنفعة ، ودفع الضرر والشر عن الأمة.
وقد سار الخلفاء الراشدون من بعد رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام على ذات النهج:
 - وما اجتماع المسلمين في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي إلا خير دليل على أن الشورى أصبحت منهج حياة في المجتمع المسلم .
 - وقد طبق ابو بكر الشورى في أمور الإدارة والحكم ، حيث خطب الناس بعد مبايعته كخليفة للمسلمين حيث قال لهم:" أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فان  أحسنت فأعينوني وان أسأت فقوموني " وهذا يدل على أنه يطلب من الناس أن يشيروا عليه بآرائهم ويعينوه على أداء المهمة وحمل الرسالة .
- وهذا هو عمر بن الخطاب يشاور المسلمين في أمر الدواوين حيث انعقد رأي الناس بعد المداولات على إنشاء الدواوين التي هي عصب الحياة الادارية في الدولة وهي تمثل ما يعرف اليوم بالوزارات .

المصادر والمراجع:

- محمد سميران واخرون ، تنظيم الاسرة والمجتمع ، دار المسار ، المفرق ، 2006.
- محمد رفعت عبد الوهاب ، الأنظمة السياسية ، منشورات الحلبي الثقافية ، بيروت ، 2004.
- محمد سليم العوا ، في النظام السياسي للدولة الاسلاميه ، المكتب المصري الحديث ، ط3 ،1979.
- عباس محمود العقاد ، عبقرية الصديق ، ط14، دار المعارف ، القاهرة ،ب ت .
- فوزي كمال ادهم ، الإدارة الاسلاميه ، دار النفائس ، 2001 .

Monday, December 21, 2015

تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -3-إدارة التوجيه المعنوي،رفع معنويات الجيش وتحطيم معنويات العدو



تنظيم القيادة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم -3-(إدارة التوجيه المعنوي،رفع معنويات الجيش وتحطيم معنويات العدو):
 تنظيم الدولة الإسلامية في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام بلغ من الدقة والترتيب مبلغا كبيرا.

وحينما تتكلم الحقيقة وينطق الحق يصمت الباطل ويتوارى في الظلام ، ليسمح بنور العلم لينشر ضيائه في أرجاء النفس والعقل.
وأما الذين يمجدون الخطأ ويعلون من الباطل ويرفعون من شأنه فسيبقون في ظلمتهم.

وهذا ما هو حاصل مع الذين يحاربون الإسلام ويقاتلون الحق الذي يمثله والصواب الذي يحوطه، فيرجعون في نهاية الأمر خاسرين نادمين على ما أنفقوا من أموال ووقت في هذا الأمر.

فلا يغرنك انتصارهم لبعض الوقت وكسبهم لشيء قليل، فما هي إلا دورة ويأتي الحق فيمحقهم وتأتي الحقيقة فتجعلهم أثرا بلا عين.

والناظر للإسلام بتمعن وتدبر، والمقلب نظره في أطرافه وأنحاءه وجميع تشريعاته يجدها صالحة للإنسان نابعة بالخير لبني الإنسان، ملاءمة لهم متوافقة مع فطرتهم.

إن الإسلام جامع شامل لكل خير ونفع وفائدة للمسلمين ولغيرهم، ونرى ذلك في تعاليمه وسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام المنبثقة من فهمه للإسلام بوحي من الله عز وجل، وتنظيمه للمجتمع وقيادته الفضلى المثلى.

ومنها تنظيم الني عليه الصلاة والسلام للقيادة وإدارته لمختلف أنواعها، ومنها إدارة التوجيه المعنوي.

إدارة التوجيه المعنوي :
وهي من الإدارات الهامة والحيوية في الجيش والتي لا يمكن لأي جيش الاستغناء عنها وذلك لأهمية الدور الذي تقوم به،  فقد شاهدنا كم هي المعنويات مهمة في المعركة لا بل قبل المعركة لأن القوة والعتاد لا يجديان نفعا بدون المعنويات .

رفع معنويات الجيش:
لذا فقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على رفع المعنويات لأصحابه في السلم والحرب ومن أجل ذلك  فقد كوَّن إدارة التوجيه المعنوي والتي كان لها هدفان رئيسيان وانبثق عنهما اهداف فرعيه كثيرة أخرى، وهما :

1.  تنميه الروح المعنوية والمحافظة عليها عالية باستمرار .
2.  وبالمقابل كان واجب هذه الإدارة هو تحطيم معنويات العدو . 

وقد استخدم النبي محمد عليه الصلاة والسلام أساليب كثيرة لتحقيق هذان الهدفان ،ومن الأساليب التي كان النبي محمد عليه الصلاة والسلام يمارسها ليحافظ على معنويات جنده: 

-  مساواة نفسه بهم ، فكان من الصعب التفريق بين القائد والجند ، حيث كان يشاركهم في جمع الحطب وإيقاد النار وطهي الطعام  ، وكان يحفر معهم في الخندق ويجمع الحجارة ،وغيرها من الأعمال .

- مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم ومواساتهم بما يصيبهم .

-  وكذلك الاندفاع بلا تهور والشجاعة أمامهم بلا طيش ، فلم يكن يوما خلفهم-كالكثير من القادة في عصرنا- بل كان إمامهم وأمامهم في نفس الوقت ،  بل إنه كان أشجعهم ، وفي ذلك يقول علي بن أبي طالب :"إنا إذا اشتد الخطب واحمرت الحدق ، اتقينا برسول الله  عليه الصلاة والسلام وهو أقربنا إلى العدو". 

- توزيع الغنائم بالعدل والإنصاف بين المقاتلين وكذلك توفير السلاح والعتاد لهم لأن ذلك من أكبر وسائل رفع المعنوية وهو شعور الجندي بأنه يمتلك السلاح الفعال والقوي. 

-  كان النبي محمد عليه الصلاة والسلام يقوم بدور الأب الحاني والراعي لأسر المجاهدين والشهداء ورعايتهم ،مستجيبا لنداء ربه :" فأما اليتيم فلا تقهر "، وعزز ذلك بقوله:" انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بإصبعه السبابة والوسطى" ليدل على أنهما قرينان او صنوان ".

 وكذلك قال:" خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ".

ومما يدلنا على عناية الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بأسر المجاهدين والشهداء ،أنه بعد انتهاء معركة أحد ،لم يرجع عليه السلام إلى بيته ،قبل أن يمر على دور المجاهدين الذين استشهدوا لمواساة أهليهم ، فمر على دور بني الاشهل فأقبلت أم سعد بن معاذ وعزاها بعمرو بن معاذ ، فدنت من رسول الله وتأملته وقالت له :" أَمَا إذا رأيتك سالما فقد هانت المصيبة ، فقال لها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام:"  يا أم سعد ابشري وبشري أهليهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا وقد شفعوا في  أهليهم فقالت ام سعد :" رضينا برسول الله "وقالت ادعوا يا رسول الله لمن خلفوا ، فقال الرسول محمد عليه الصلاة والسلام:" اللهم أذهب حزن قلوبهم واجبر مصيبتهم  وأحسن الخلف على من خلفوا .." . 

وبعد معركة مؤته ذهب إلى بيت جعفر الذي استشهد بالمعركة وطلب أن يرى أبنائه فلما أتوا بهم تشممهم وذرفت عيناه ....

 و يكفي ان نعلم أن الرسول محمد عليه الصلاة و السلام:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان في حاجه أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربه  فرج الله  عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما سترة الله يوم القيامة " متفق عليه . 
 
- كان الرسول محمد عليه الصلاة والسلام يقوم بغرس الثقة فيما بينه وبين جنده ونيل محبتهم فقد كانوا يفدونه بالمهج والأرواح ويدافعون عنه حتى الموت .

-  ومن وسائل رفع المعنوية في الجيوش هو الانضباط والطاعة والالتزام بالأوامر التي تصدر من القيادة ، وهذا ما تمتع به أصحاب الرسول محمد عليه الصلاة والسلام حيث كانوا في غاية الانضباط والطاعة والتزام الأوامر.  

تحطيم معنويات العدو:
       وقد أدرك الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ان تحطيم معنويات العدو لا يقل أهميةعن رفع معنويات جنده ،حيث مارس عدة أساليب أدت الى تحطيم معنويات عدوه أهمها :

-  استخدام العيون والاستخبارات لمعرفه أسرار وتفاصيل أخبار العدو،وهذا ما حقق له عنصرا هاما وهو المفاجأة والمباغتة،ولهذين العنصرين أهمية لا توصف في تحقيق النصر في المعركة.

 - كذلك استخدام أسلوب التلويح بالقوة،واستعراض وبيان قوته أمامهم مما ردعهم ومنعهم عن التعرض له والاعتداء عليه.

- كذلك استخدم أسلوب بث المعلومات المضادة بين صفوف العدو لإضعاف معنوياته وزعزعه ثقته بنفسه وبقدراته.

 - كذلك نشر أخبار قوته،ومنعة –قوة-جيشه وما يتمتعون به من جاهزية  قتالية، واستعداد للموت.

ولكن يجب أن ندرك أن من أهم وسائل إيقاظ المعنويات بالجيوش هي العقيدة التي يؤمنون بها ، وكذلك سمو الغاية والهدف الذي يندفع من اجله الجندي الى الموت .

لذا فقد شكلت العقيدة الاسلامية المعين الذي لا ينضب لمعنويات جند الإسلام .

 وكذلك إيمانهم بان الهدف الذي يقاتلون من اجله هدف نبيل وبان غايتهم غاية مقدسه ، فالحرب لم تكن عندهم هي الغاية بل وسيلة لنشر الدين الجديد وإيصال رسالة الله إلى الناس كافه لإخراجهم من الظلمات إلى النور وإصلاح أحوالهم وتحسين معايشهم.

وكذلك  فقد شكل إيمانهم العميق بالنتيجة التي سيصلون إليها دافعا قويا لمعنويات عالية دائمة ومستمرة فهم يؤمنون بالنصر او الشهادة .

المصادر والمراجع:
- أكرم الديري، الجيش وتاثيراته في سياسه الدولة الاسلامية ،دار الكتاب الثقافي ،اربد ، 2003.
- نزار النعيمي ، الجيش وتأثيراته في سياسة الدولة الإسلامية ، دار الكتاب الثقافي ،اربد ،2003..
- محمد سليم العوا ، في النظام السياسي للدولة الاسلاميه ، المكتب المصري الحديث ، ط3 ،1979.
- عباس محمود العقاد ، عبقرية الصديق ، ط14، دار المعارف ، القاهرة ،ب ت .
- فوزي كمال ادهم ، الإدارة الاسلاميه ، دار النفائس ، 2001 .
 -محمد جمال الدين محفوظ ، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية ألعسكريه الإسلامية ، الدار ألمصريه للكتاب ، القاهرة ، 1976.